أريحا تشتعلُ بالحلم في سباق الهواة الأول يشعل شغف الشباب الفلسطيني.
حينَ تحدّت المحركاتُ الصمتَ في مدينة القمر ..كتبَ الشبابُ الفلسطيني شغفهم بالسرعة
في أريحا .. مدينة القمر الأولى حيثُ تتكئ الشمس على أكتاف الجبال القديمة وتنامُ الريح بين النخيل لم يكُن الأمسُ يوماً عادياً..
هناك في ساحة جامعة الاستقلال العسكرية،
اجتمع هديرُ المحركات مع نبضِ الشباب الفلسطيني في أولّ سباقٍ للهواة ضمن بطولة فلسطين لسائقي سرعة السيارات
التي نظمها الاتحاد الفلسطيني لرياضة السيارات والدراجات النارية وبرعاية عددٍ من الشركات والمؤسسات الفلسطينية التي تسبقُ اسمها في الوطن .
لم يكن السِباق مجرد منافسةٍ على الزمن ولا مجرد عجلاتٍ تدور فوق الإسفلت .. كان أشبهُ بإعلانٍ جماعي عن حقّ الشباب الفلسطيني في الحلم و في المغامرة وفي صناعة الفرح رغم كل ما يثقل الروح من واقعٍ قاسٍ ومفتوحٍ على الاحتمالات الصعبة.
كان المشهدُ أشبه بلوحةٍ حديثةٍ تتحرك فيها الألوان والضجيج والقلوب معاً..
سياراتٌ مختلفة الأشكال والأحجام
لكلّ واحدةٍ منها شخصيةٌ كاملة كأنها امتدادٌ لروح سائقها.
فهناك من اختار اللون الأحمر كمن يعلنُ تحديه للعالم وآخرُ زيّن سيارته بالسواد اللامع كأنّه يخبئ داخله صمتاً عميقاً
وغيرهم رأوا في التفاصيل الصغيرة فناً خاصاً يشبههم وحدهم.
في تلك الساحة لم تكن السيارات مجرد آلاتٍ ميكانيكية كانت سِيَراً ذاتية تتحرك بسرعة.
كلّ سيارة حملت شيئاً من صاحبها .. ذوقه وَمزاجه وَطبقته الاجتماعية وَأحلامه المؤجلة وحتى طريقته في النظر إلى الحياة.
كان المتسابقون يلمّعِون سياراتهم كما يلمع الإنسان ذاكرته قبل صورةٍ مهمة وكأنهم يريدون أن يقولوا للعالم .. نحنُ هنا وما زلنا نحب الحياة.
ومن بين جميع المشاركين كانت هناك فتاةٌ وحيدة تقف وسط هذا العالم الصاخب بثباتٍ يشبه شجرةً تقاوم الريح.
لم تكن مجرد مشاركة عابرة هذهِ الفتاة كانت رمزاً لمعنى أعمق أنّ الشغف لا جنس له وأن الجرأة ليست حكراً على أحد.
كانت وهي تمسكُ المقود كأنها تمسكُ حقّها الكامل في أن تكون مختلفة وَحاضرة وَمؤمنة بنفسها في مساحةٍ طالما اعتُبرت حِكراً على الرجال.
وحين انطلقت سيارتها كان صوت المحرك ليس وحده الذي يُسمع .. كان صوت جيلٍ جديد يرفض الصور القديمة عن المرأة والحلم والمغامرة.
ما يجعل هذا الحدث جميلاً حقاً ليس السرعة بحد ذاتها هناك أشياء جميلة ما وراء السرعة.
فالإنسان.. منذ القدم يحاولُ أن يهزم حدودَه وأن يسبق خوفه وأن يختبر قلبه حين يخفق بعنف وأن يشعر ولو للحظات بأنه حرٌّ تماماً.
وربما لهذا يحب الناس السباقات لأنها تمنحهم صورةً مكثفة عن الحياة نفسها طريقٌ قصير منعطفاتٌ مفاجئة خساراتٌ صغيرة انتصاراتٌ خاطفة وصوتٌ داخلي يقول لك دائماً أكمل الطريق .
لقد بدا الشباب الفلسطيني في هذا السباق كأنهم يكتبون رسالتهم الخاصة إلى العالم
ولكن لم تكن بالكلمات .. كانت تلك الإطارات المحترقة ورائحة الوقود وعيون الأصدقاء الواقفين على الحواجز.
رسالة تقول إن فلسطين ليست فقط حكاية ألمٍ طويل هو أيضاً حكاية شبابٍ يعرفون كيف يصنعون الفرح وكيف يحولون الشغف إلى مساحةٍ للحياة.
وفي نهاية اليوم بعد أن هدأت الأصوات وعادت السيارات إلى أصحابها بقي شيءٌ واحد معلقاً في هواء أريحا الدافئ
أن الأحلام مهما بدت صغيرة أو صاخبة أو مجنونة تظلُّ إحدى أكثر الطرق نبلاً لمقاومة العتمة.