محضر ضبط رسمي …بشأن اختفاء شعب بقلم: شادي عياد
محضر ضبط رسمي …بشأن اختفاء شعب
بقلم: شادي عياد
في صباحٍ لم يختلف عن غيره…
حُرِّر هذا المحضر.
ولم يكن البلاغ عن سرقة بنك…
ولا عن جريمة قتل…
ولا عن كارثة طبيعية.
كان البلاغ أغرب من ذلك كله.
البلاغ: اختفاء شعب.
انتقلت لجنة البحث إلى المكان.
وجدت البيوت كما هي…
المحال مفتوحة…
المقاهي مكتظة…
الطرقات مزدحمة…
والهواتف لا تتوقف عن الرنين.
للوهلة الأولى بدا كل شيء طبيعيًا.
لكن بعد التدقيق…
تبيّن أن الموجودين ليسوا هم أصحاب المكان…
بل مجرد أجساد تؤدي واجباتها اليومية بإتقان…
أما الأرواح…
فقد غادرت منذ زمن.
سألنا عن الكرامة…
فقيل إنها شوهدت آخر مرة وهي تغادر بصمت، بعدما أدركت أن لا أحد ينتظرها.
وسألنا عن الغضب…
فقيل إنه مات اختناقًا تحت أكوام التبرير.
وسألنا عن الحياء…
فضحك الجميع، كأنهم يسمعون اسم شخصٍ مات قبل مئة عام.
ثم بدأنا نبحث عن الحقيقة.
وجدناها مكبلة…
تنتظر من يصدقها.
وبحثنا عن العدالة…
فقيل لنا إنها تقف في آخر الطابور، منذ سنوات، وما زالت تنتظر دورها.
وبحثنا عن الإنسان…
فأرشدونا إلى حسابه على مواقع التواصل…
قالوا: هناك يتكلم كثيرًا…
أما على أرض الواقع…
فلا أحد يعرفه.
انتهى التفتيش…
ولم نعثر على شعبٍ ميت.
ولم نعثر على شعبٍ حي.
بل عثرنا على أناسٍ اعتادوا كل شيء.
اعتادوا الوعود حتى فقدت معناها.
واعتادوا الخيبة حتى صارت رفيقة العمر.
واعتادوا أن يبدأ كل صباح بجملة:
“الله يفرجها…”
ثم ينتهي كل مساء بالجملة نفسها.
وبعد ساعات من التحقيق…
وصلنا إلى أخطر نتيجة في هذا المحضر.
لم يختفِ الشعب…
بل اختفت الدهشة.
وحين تموت الدهشة…
لا يعود الظلم صادمًا…
ولا الفشل محرجًا…
ولا الكذب مكلفًا…
ولا سقوط القيم حدثًا يستحق الالتفات.
عندها…
لا يحتاج الخراب إلى جيوش.
يكفيه أن يجد شعبًا اعتاد الوقوف على أنقاضه… دون أن يسأل:
من هدم البيت أول مرة؟
ولهذا…
أغلقنا المحضر…
دون أن نغلق القضية.
فالمفقود لم يكن أشخاصًا…
كان ضميرًا.
وكان سؤالًا.
وكان قدرة أمةٍ كاملة على أن تقول:
كفى.
وحتى يعود هذا المفقود…
ستبقى القضية مفتوحة…
وسيظل السؤال معلقًا في صدر كل واحدٍ منا:
هل نحن من نبحث عن الوطن… أم أن الوطن هو الذي أرهقه البحث عنا؟
بقلم :شادي عياد