استحضار نوح ..
أزمة المهاجرين السوريين والعراقيين والفلسطينيين لم تكشف البعد الإنساني عند الغرب مقابل تجرده عند العرب ، ولم تكشف كذبة الأخوة العربية والأخوة الإسلامية فقط ، فذاك معروف لمن يمتلك ذرة من عقل ولم يطمس الله على قلبه ، بل كشفت عن البعد العقلاني للحضارة الغربية التي ستفيد من الكفاءات العلمية والحياتية للمهاجرين ، وستفيد من الأبعاد "الديموغرافية" التي ستحرك عجلة الاقتصاد الغربي لاحقا ، الغرب الذي يستشعر الخطر من تدني نسبة المواليد جاءته اللقمة جاهزة إلى الفم ، آباء وأمهات متعلمون وحرفيون لم يتكلف في تربيتهم وتعليمهم دولارا واحدا ، وأبناء صبيان في عمر الورد سيكدون ويعملون وفي أنفسهم حرقة أن "بلاد العرب أوطاني" طردتهم وشردتهم عراة جائعين بلا رحمة ولا إنسانية ودون أن يراعي أهلوها لهم حرمة أو إلا أو ذمة ، والغرب احتضنهم وآواهم وأخذ بيدهم ، إنها بلا شك لطخة سوداء في التاريخ المشرقي ، ومفارقة حضارية في الفكر والإنسانية ينشأ عنها وعي جديد مفارق وتعريف للوطن فما الوطن يا إيلان كردي إلا مكان يحرمك من قبر على التراب الذي كان مهدا لمسقط رأسك ؟ وهل أصبح الوطن كما قال كاتب إسباني خيار الأراذل ؟
ولأن كل القصص الدينية حدثت حقيقة أو مجازا على أرضنا فإن قابلية استحضارها مرة ثانية على المستوى الجمعي عالية النسبة سهلة المنال ولا سيما قصة ابني آدم وقصة رحيل نوح اللتان تتكرا دواليك .
والأهم مما سبق والأنكى حسن صيد الغربيين للفرصة ، وبعث طاقة إيجابية في المجتمعات الغربية بقدوم دماء جديدة مستجدة بدلا من الطاقة السلبية المستحكمة في المجتمع العربي التي تدفعه إلى التدمير الذاتي والرجعي وبث ثقافة الموت والانتحار .
إن المقولات الاستشراقية التي قال بها الغربيون عن الشرق اللاعقلاني والانفعالي والهامشي ورفضها الكثيرون منا لتطرفها ولحتميتها أصبحت- في شطر منها- واقعا مريرا لا يرد ولا يتجاهل ، ولم تعد في عصر الكاميرا مجرد نظريات خالصة مخفية يمكن أن تدفن دفن النعامة رأسها في التراب بل طبقت على أرض سوريا والعراق وفي فلسطين طبقت على أخت لهما من قبل .
الدول كالإنسان تصاب بالعلل النفسية والجسدية ، وأول خطوات الاستشفاء أن يقرّ المريض بالعلة ـ ويعترف لنفسه بوجودها ليبدأ بعدها رحلة العلاج ، فمتى سنعترف أن الخلايا السرطانية تنتقل في جسدنا من جارحة لجارحة ومن قطر إلى قطر ومن شام لمصر ، وتصدّنا وتعطل آليات التفكير والمسير والأمن والأمان ؟ ومتى سنقر بحاجتنا إلى ثقافة مدنية تراعي الإنسان وتراعي كفاءته وعلمه وحاجياته الحياتية والفكرية في شتى مناحي الحياة .
علينا أن نقف ونطرق ونفكر ونستعيد الرحمة والأخوة وأن نجعل أشهرنا أشهر حرم ينتشر فيها السلام وتحرم الحرب قبل أن يستشري المرض ونصبح على سرير الغرب جثة للتشريح والتدريب واستقاء العبر . والغرب لا يرحم في تدريبه العلمي شره - يحتاج دائما للمتضجعين على دكة الموتى وعلى سرير التشريح خاصة إذا كانت جثثا طافية تائهة على سطح البحر الأبيض المتوسط لا أهل لها ولا ودائع ترد.
وما دمنا في الشرق لا نتعظ من التاريخ فإن الألم سيكرر نفسه والموت العبثي الوحشي سيظل يطرق سمعنا مع كل محو لليل أو نهار متسائلا أو متعجبا : هل من مزيد ؟! وهناك من جثث أقران إيلان المزيد .