صرتُ أبي
يجزم أهلي وأصدقائي أنني الأكثر شبهاً بأبي من بين جميع أخوتي، حتى مشيتي وحركات يديّ "نسخ، لصق" عن مشية أبي وحركات يديه.
في كل مرة يؤكد لي أحدهم هذا الشبه، تطرق جمجمتي قصص أيام زمان التي قصها علينا أبي، أيام الجوع والفقر والكفاح والاعتقالات والموت في السجون تحت التعذيب، هدم المنازل لمجرد حيازة سلاح.
أخاف أن يجرني شبهي بأبي إلى التجارب التي خاضها في حياته، شبهي به "مقدور عليه"، لكن أن أجرب ما جربه في حياته، فهذه طامة كبرى إن حصلت، فليس بمقدور "بطة" رجلي أن تحتمل بسطار الجندي و"تفغيصه" لها، ومعدتي لا تحتمل أبداً أن تأكل لأيام "مي وبصل" كالذي أكله أبي وأخوته أيام الجدب.
صرتُ أبي، شكلاً وبعض ذاكرة، فقد خزَّن أبي في عقلي عشرات القصص والمواقف التي عاشها، حتى أنني بتُّ أذكره في بعض المواقف التي آلمته وهو طفل!
صرتُ أبي، وصرت أتخيل نفسي معه في جبال الخليل وهو مطارد، وفي السجن، في مواجهة المحقق القذر، وفي ساحة جمع المعتقلين، صرت دمعته التي سقطت تحت بطانية السجن لمّا وصله خبر "هدم منزله".
أتباها كثيراً بأبي، بانتمائه الأصيل، ورده علينا كلما نسأله: "انت فتحاوي يابا؟"، بقوله: أنا فتح 1967، وهو تاريخ التحاق أبي بحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح).
كان ابي يحدثنا، ولا يزال، عن السنوات الأولى لانطلاق فتح، وأخلاق المنتسبين لها، فيقول إن المنتسبين لفتح كانوا يضعون مصروفهم الشخصي في سبيل دعم الحركة، "كنا يابا نعطي فتح، مش نستنا نوخذ منها".