استعادة "قرش شدمي"
إلى اليوم ومنذ مجزرة كفر قاسم ما زال التاريخ يعيد نفسه فيما يتعلق بمعاقبة المجرمين الإسرائيليين ، عوقب المقدم "يستخار شدمي" المسؤول عن المجزرة بغرامة مالية باهظة يعجز عن دفعها بيل جيتس وكارلوس سليم وقارون ومنسي موسى الأول ملك مالي الذي احتاج إلى اثني عشر ألفا من العمال ليحملوا أطنان الذهب في رحلة الحج الأسطورية إلى البيت العتيق ، ويقال إنه أغدق الذهب على كل المناطق التي مرّ بها !
نعود إلى "يستخار شدمي" قائد لواء الجيش في منطقة كفر قاسم الذي أطلق النار بدون عواطف على السكان العائدين من مزارعهم بلا أي ذنب اقترفوه سوى أنهم يغدون ويروحون بحثا عن أرزاق أبنائهم - فلا نندهش ولا يعترينا الاستغراب فتلك شيمة الصهاينة والمحتلين عبر التاريخ ، ولا نستغرب كذلك المحكمة العسكرية التي عقدت للمقدم "شدمي" وأقرت بتغريمه قرشا واحدا لا غير!!! في إهانة واضحة لكرامة بلدة بكاملها ذبح من أهلها تسع وأربعون مواطنا بدم بارد ، وإهانة للقيم الإنسانية جمعاء وصفعة للعدالة الإنسانية من قوم خرجوا تواً من مذابح مهولة على يد النازيين .
باب الاستغراب يكمن في تكرار الصلف الإسرائيلي الذي يقيم محاكم صورية لمحاكمة المجرمين أمام كاميرات العالم ، ولعل آخر المحاكمات الصورية محاكمات عصابة تدفيع الثمن التي نكلت بالفلسطينيين فقتلت وأحرقت وجرحت وخربت مساكن ودور عبادة ومزارع دون أن يضرب على أيديهم ، ويعاقبوا العقاب المناسب على جرائم الكراهية القومية .
إذا كان القادة الإسرائيليون يبحثون كما يزعمون عن السلام ، فالسلام يحتاج إلى كبح نزوات الذات ولجم الوحش الداخلي ، ولا يمكن للمرء أن يقيم سلاما مع نفسه دون أن يقيمه مع الآخرين ، فربما تكون صورة الآخر انعكاسا لما يتأجج في النفس من أحقاد .
إن نار الحقد الإسرائيلي لتبدو واضحة جلية يزداد أوارها يوما بعد يوم ، ويقوم عليها ويذكيها المتطرفون وعصابة
المستوطنين في الحكومة الإسرائيلية وعلى رأسهم نتنياهو، وإذا كان بإمكانهم أن يوجّهوا إلى يومنا هذا النار نحو الفلسطينيين ، فربما تأتي عواصف داخلية وخارجية تغير من اتجاه اللهب ، وقد علمتنا الأيام أن النار نار لا يطمأن لها ،
ولا تفرق حين تضطرم بين صديق حميم وعدو بغيض .