حين لا تنام فلسطين بقلم: شادي عياد
حين لا تنام فلسطين
بقلم: شادي عياد
هناك شعوبٌ إذا أثقلتها الأيام نامت…
وهناك شعبٌ إذا أثقلته الأيام، وقف.
هذا هو الشعب الفلسطيني.
كلما ظنّ العالم أن التعب بلغ منه منتهاه، خرج من بين الركام من يشبه الفجر. لا يملك كثيرًا، لكنه يملك ذلك الشيء الذي لا يُشترى: الإيمان بأن الغد يستحق أن نعمل له.
وفي هذا الليل الطويل، لا يزال في فلسطين من يسهر.
أناسٌ لا يبحثون عن تصفيق، ولا يقيسون حبهم للوطن بعدد الكلمات التي يقولونها عنه.
يعملون.
يطرقون الأبواب.
يجمعون القلوب.
يرممون ما تصدّع.
ويحاولون، كل يوم، أن يعيدوا إلى هذا الشعب شيئًا من يقينه بنفسه.
وقد يكون من أجمل ما يمكن أن نقوله اليوم لأبناء رجال الأمن الفلسطيني رجال الأجهزة الساهرة: افخروا بآبائكم.
فبينما كانت عيونٌ كثيرة تغفو، كان آباؤكم يسهرون، يحملون تعبهم ويقفون في وجه الليل، ويؤدون واجبهم تجاه وطنهم وشعبهم. وربما لا تعرفون كم ليلةً عادوا فيها إليكم متعبين، لكن يكفي أن تعرفوا أن في أعناقهم أمانةً اسمها فلسطين.
قد لا نراهم جميعًا.
فبعض الذين يصنعون التاريخ لا يقفون على المنابر. يقفون في الصفوف الخلفية، يحملون تعبهم ويمضون.
لكنهم يعرفون شيئًا لا يعرفه اليائسون:
أن الأوطان لا تضيع حين تتعب، وإنما تضيع حين يتوقف أبناؤها عن المحاولة.
ولهذا، لا يجوز لنا أن نسمح لهذا الظلام أن يقنعنا بأن فلسطين فقدت بوصلتها.
البوصلة لا تضيع لأن الطريق صعب.
وقد تتكسر حولها الأشياء، وقد تتعدد الأصوات، وقد تشتد العواصف، لكنها في النهاية تبحث عن اتجاه واحد:
فلسطين.
فلسطين التي لا تختصرها مدينة، ولا فصيل، ولا جيل، ولا خلاف.
فلسطين التي تسكن في قلب الفلاح حين يحرث أرضه، وفي عين الأم حين ترسل ابنها إلى مدرسته، وفي يد العامل حين يبدأ يومه، وفي صوت المعلم، وفي صبر الأسير، وفي ذاكرة اللاجئ، وفي كل بيتٍ ما زال يحتفظ بمفتاحٍ قديم وحكايةٍ لم تنتهِ.
هذه هي فلسطين التي يجب أن نستعيدها في داخلنا أولًا.
أن نستعيد ثقتنا بأنفسنا.
أن نختلف في الرأي، ولا نختلف على الوطن.
وأن نفهم أن أعظم انتصار يمكن أن نصنعه في هذه الأيام، هو أن نبقى شعبًا واحدًا حين يريد لنا الآخرون أن نصبح شظايا.
لذلك، تحية لكل من يعمل الآن…
لكل يدٍ تبني بدل أن تهدم.
لكل قلبٍ يصلح بدل أن يفسد.
لكل من يحمل همّ الناس دون أن يحمّلهم همّه.
ولكل رجل أمن فلسطيني يقف في موقعه، بعيدًا عن الأضواء، يؤدي واجبه ويعود إلى بيته وفي قلبه وطن.
هذا النص إهداء إلى أبنائهم قبل أي أحد.
إلى أولئك الذين ربما انتظروا آباءهم طويلًا، ولم يعرفوا أن غيابهم كان من أجل أن يبقى الوطن حاضرًا.
هؤلاء هم حراس المعنى.
هؤلاء الذين إذا غفت عيون كثيرة، بقيت عيونهم مفتوحة على الوطن.
ليس لأنهم لا يتعبون…
بل لأنهم يعرفون أن هناك أشياء لا يجوز أن نتعب منها.
فلسطين واحدة منها.
وسيأتي يوم، مهما طال انتظاره، ننظر فيه إلى هذه السنوات ونفهم لماذا كان علينا أن نصبر، ولماذا كان علينا أن نواصل، ولماذا كان هناك دائمًا من يرفض أن يترك البوصلة تسقط من يده.
وحينها…
لن يكون السؤال:
من انتصر على من؟
بل سيكون السؤال الأجمل:
من حافظ على فلسطين حين كان الحفاظ عليها أصعب الأشياء؟
وسيكون الجواب:
شعبٌ…
تعب كثيرًا
وانكسر قلبه كثيرًا
ودفع أثمانًا لا تُحصى…
لكنه لم ينم.
لأن فلسطين ببساطة
حين تكون في القلب…
لا تسمح لصاحبها أن ينام.
بقلم شادي عياد