لأننا فلسطينيون… سننهض
بقلم:شادي عياد
ليست هذه الأيام هي الأصعب في تاريخ فلسطين، لكنها بالتأكيد من أكثرها قسوة على قلوب الناس. نعيش ضيقًا اقتصاديًا، ونقصًا في كثير من مقومات الحياة، وأعباءً تثقل كاهل كل أسرة، وأسئلةً تتكرر كل صباح: إلى أين نمضي؟ ومتى يضيق هذا النفق حتى ينتهي؟
ومن الظلم أن ننكر حجم الألم، ومن الخطأ أيضًا أن نستسلم له.
نعم… لدينا أزمات صنعتها ظروف الاحتلال وعدوانه وحصاره وسياساته، ولدينا أزمات ساهمت فيها أخطاء داخلية، وربما قصر نظر هنا أو سوء تقدير هناك، وربما مسؤولون ظنوا أن المنصب امتياز أكثر منه تكليفًا، وأن الكرسي يكفي لصناعة الإنجاز. لكن الأوطان العظيمة لا تبقى أسيرة أخطاء الأشخاص، ولا تختزل تاريخها في أداء بعض المسؤولين مهما علت مناصبهم.
فلسطين أكبر من الجميع.
ولذلك، فإن المرحلة لا تحتاج إلى تبادل الاتهامات بقدر ما تحتاج إلى شجاعة الاعتراف وإرادة التصحيح وفتح الأبواب أمام الكفاءة والإخلاص والمبادرة. فالشعب الذي صبر كل هذا العمر، يستحق إدارة تليق بتضحياته، ويستحق مسؤولًا يشعر بوجعه قبل أن يتحدث عن إنجازاته.
ومع ذلك…
لن نسمح للإحباط أن ينتصر. لن نعطي اليأس حقًا ليس له. لن نكون ذلك الجيل الذي ورث وطنًا يقاوم، ثم أورث أبناءه اليأس.
نحن الفلسطينيين لم نصل إلى هنا لأن الطرق كانت معبدة، بل لأن إرادتنا كانت أصلب من كل العواصف. فينا من اتساع بحر يافا ما يكفي لاحتضان الحلم، ومن صمود غزة ما يكفي لكسر المستحيل، ومن زيتون القدس ما يكفي ليبقى الجذر أعمق من كل اقتلاع، ومن سهول جنين ما يكفي لتظل السنابل تعرف طريقها إلى الحياة بعد كل موسم قاسٍ. لذلك، كلما ظن العالم أننا انتهينا، عدنا أقوى، وكلما قيل إن فلسطين تعبت، أثبت شعبها أن التعب لا يهزم من يؤمن بقضيته.
اليوم، أكثر ما نحتاجه هو أن نستعيد وحدتنا. أن نختلف باحترام، وأن نتحاور بعقل، وأن نضع خلافاتنا حيث يجب أن تكون، على طاولة الحكمة، لا في الشارع ولا في وسائل التواصل ولا في صدور الناس.
وحين يكون الوطن هو الغاية، تصبح كل الخلافات قابلة للحل.
إن الالتفاف حول مشروعنا الوطني ليس مجاملة لأحد، بل حماية لفلسطين نفسها. والحفاظ على وحدتنا الوطنية ليس خيارًا سياسيًا، بل شرطٌ من شروط البقاء. وبحكمة الرئيس محمود عباس “أبو مازن”، وبإرادة المخلصين من أبناء هذا الشعب، يمكن أن تتحول هذه المرحلة من محطة ضيق إلى بداية مراجعة حقيقية، تُعيد الاعتبار للكفاءة وللعدالة ولثقة المواطن بمؤسساته.
فلنتمرد على اليأس، لا على وطننا.
ولنواجه الأخطاء بالإصلاح، لا بالهدم.
ولنحارب الإحباط بالعمل، لا بالاستسلام.
فلسنا شعبًا اعتاد الانحناء، ولا أمة كتبت تاريخها بالانتظار. نحن أبناء فلسطين، الأرض التي علمت العالم أن الإنسان قد يخسر معركة، لكنه لا يخسر حقه إذا بقي مؤمنًا به.
سيعود بحر يافا ليستقبل أبناءه، وستبقى غزة تصنع الحياة رغم الجراح، وسيظل زيتون القدس شاهدًا على أن الأرض تعرف أصحابها، وستبقى سهول جنين تزرع فينا يقينًا بأن هذا الوطن، مهما أثقلته الأزمات، لا يتوقف عن إنبات الأمل.
سيأتي يوم نرى فيه الأطفال يذهبون إلى مدارسهم بطمأنينة، والشباب إلى أعمالهم بأمل، والموظف إلى بيته وهو يحمل راتبه كاملًا، والمزارع إلى أرضه بلا خوف، والتاجر إلى متجره بلا قلق، وتعود الأعراس لتملأ الحارات، وتعود الضحكات لتسكن البيوت.
وسيأتي ذلك اليوم… لأننا سنصنعه.
سنصنعه عندما نغلب المصلحة الوطنية على المصالح الشخصية، وعندما يدرك كل صاحب منصب أن التاريخ لا يسأل: كم بقيت في موقعك؟ بل يسأل: ماذا تركت لوطنك؟
نحن لسنا شعبًا يبحث عن معجزة.
نحن شعب يصنع المعجزات كلما توحد.
ولهذا… ورغم كل ما نعانيه، أقول بثقة لا تهزها العواصف:
سننهض…
لأن بحر يافا ما زال يعلّمنا اتساع الأفق، ولأن غزة ما زالت تكتب معنى الصمود، ولأن زيتون القدس لا ينحني، ولأن سهول جنين تعرف أن السنابل، مهما أثقلها الشتاء، لا بد أن تقف منتصبةً في موسم الحصاد.
سننهض…
لأننا فلسطينيون.
ولأن فلسطين، منذ كانت، لا تعرف النهاية… بل تعرف دائمًا بدايةً جديدة.