اثنان وثلاثون عامًا… وما زالت الشرطة الفلسطينية تحرس حلم الدولة
بقلم: شادي عياد
في كل صباح…
وقبل أن تستيقظ المدن بالكامل…
وقبل أن تفتح المدارس أبوابها…
وقبل أن تبدأ الأسواق ضجيجها المعتاد…
يكون هناك رجلٌ يرتدي بزته الرسمية، يحمل وطنًا كاملًا على كتفيه، ويقف بصمت.
لا يطلب تصفيقًا…
ولا ينتظر شكرًا…
ولا يبحث عن صورةٍ في صحيفة…
فكل ما يريده أن يعود الناس إلى بيوتهم آمنين.
هذا هو الشرطي الفلسطيني.
اثنان وثلاثون عامًا مرت على تأسيس الشرطة الفلسطينية…
اثنان وثلاثون عامًا من الوقوف في الشمس الحارقة…
وفي برد الشتاء القارس…
وفي الأعياد التي غاب عنها كثيرون من رجال الشرطة عن موائد أسرهم لأن الواجب كان ينتظرهم عند مفترق طريق، أو أمام مدرسة، أو داخل شارعٍ مزدحم.
كم من طفلٍ نام قبل أن يعود والده الشرطي إلى المنزل…
وكم من أمٍ انتظرت ابنها حتى ساعات الفجر لأنه كان يؤدي واجبه…
وكم من زوجةٍ تعلمت أن الوطن يشاركها زوجها لأنها تزوجت رجلًا قرر أن يكون حارسًا لأمن الناس وطمأنينتهم.
وفي عيد الشرطة الفلسطينية الثاني والثلاثين…
تمر أمامنا وجوه شهداء جهاز الشرطة الفلسطينية…
أولئك الذين خرجوا لأداء الواجب، أو حملوا شرف الانتماء لهذه المؤسسة الوطنية، فعادوا إلى فلسطين ملفوفين بعلمها، وتركوا أسماءهم منقوشةً في ذاكرة الشرطة ووجدان الوطن.
وتمر أمامنا وجوه أسرى جهاز الشرطة الفلسطينية…
الذين دفعوا من أعمارهم وحريتهم ثمنًا لانتمائهم لفلسطين ولرسالتهم الوطنية، فصار صبرهم جزءًا من حكاية هذه المؤسسة العريقة، وصارت تضحياتهم وسامًا على صدر كل شرطي فلسطيني.
ونقف احترامًا للمتقاعدين…
الذين سلّموا الأمانة لمن بعدهم بعد سنواتٍ طويلة من التعب والسهر والانضباط.
ونرفع القبعات للعاملين اليوم…
الذين ما زالوا يحملون الرسالة نفسها، ويقفون في الميدان بنفس الإيمان الأول، وكأنهم يقولون كل صباح:
“سنظل هنا… لأن الوطن يستحق.”
ومن يسير في شوارع رام الله…
ويرى ذلك الحضور الهادئ والمنظم لرجال الشرطة…
يدرك أن خلف هذا المشهد سنواتٍ طويلة من العمل والانضباط والالتزام، حتى أصبحت شرطة رام الله نموذجًا يفتخر به الفلسطينيون في حسن الأداء وجمال الحضور واحترام المواطن وهيبة القانون.
ومن يزور بيت لحم…
ويرى كيف تمتزج صورة الشرطي بابتسامة المدينة وروحها واستقبالها لزوارها وحجاجها وضيوفها…
يفهم أن الشرطة الفلسطينية لا تحرس الطرق فقط…
بل تحرس صورة فلسطين أيضًا.
في رام الله…
وفي بيت لحم…
وفي نابلس والخليل وجنين وطولكرم وقلقيلية وأريحا وسلفيت وطوباس وجميع محفظات الوطن …
هناك رجال ونساء ينتشرون بأناقة الانضباط، وجمال الحضور، وهيبة القانون.
ترى الشرطي الفلسطيني واقفًا في الشارع وكأنه يقول للمواطن:
“اطمئن… نحن هنا.”
ولعل أجمل ما يميز هذه المؤسسة أنها بقيت قريبة من الناس…
تعرف أسماءهم…
وتعرف وجعهم…
وتعرف أن الشرطي الحقيقي لا يحمل القانون بيده فقط…
بل يحمل الإنسانية في قلبه أيضًا.
وفي هذه المناسبة الوطنية العزيزة…
تتجه كلمات الوفاء والتقدير إلى السيد الرئيس محمود عباس، الذي آمن بأن بناء الوطن يبدأ ببناء الإنسان والمؤسسات، وأن هيبة الدولة تبدأ من سيادة القانون واحترام النظام، فكان الداعم والحاضن للمؤسسة الأمنية الفلسطينية، والمؤمن برسالتها الوطنية والإنسانية، والساعي إلى تعزيز حضورها وتطويرها لتبقى عنوانًا للاستقرار والأمان وحماية المجتمع الفلسطيني.
كما تتجه التحية والتقدير إلى الأخ اللواء علام السقا، وإلى كل القادة والضباط وضباط الصف والأفراد الذين يحملون هذه الأمانة الثقيلة بكل شرفٍ ومسؤولية، ويواصلون أداء رسالتهم بإخلاص الرجال الذين يعرفون أن خدمة الوطن ليست وظيفةً بل شرفًا ورسالةً وعهدًا.
وفي هذا اليوم…
لا نحتفل بمؤسسةٍ أمنية فقط…
بل نحتفل بآباءٍ وأبناءٍ وإخوةٍ وبناتٍ اختاروا أن يكونوا في مقدمة الصفوف كي يبقى الناس في بيوتهم مطمئنين.
نحتفل بمن وقفوا على الحواجز وفي الشوارع والمستشفيات والمحاكم والمدارس والميادين…
نحتفل بمن حملوا الوطن على أكتافهم بصمت.
اثنان وثلاثون عامًا…
والشرطة الفلسطينية ما زالت تجمع بين ذاكرة التأسيس…
وواجب الحاضر…
وحلم المستقبل.
وستبقى كذلك…
ما بقي في فلسطين رجلٌ يقف في الشارع مرتديًا بزته الرسمية، بينما يحمل في قلبه علم فلسطين، وفي عينيه حب الناس، وفي ضميره قسم الشرف والوفاء.
كل عام والشرطة الفلسطينية بألف خير…
كل عام وشهداء جهاز الشرطة الفلسطينية حاضرون في الذاكرة…
وكل عام وأسرى جهاز الشرطة الفلسطينية حاضرون في الضمير…
وكل عام ومتقاعدو الشرطة الفلسطينية حاضرون في الوفاء…
وكل عام وعاملوها حاضرون في الميدان.
وكل عام وفلسطين بخير…
طالما بقي فيها رجالٌ يختارون الوقوف…
حين يختار الآخرون الراحة…
ويختارون خدمة الناس…
حين يختار الآخرون أنفسهم…
ويختارون الوطن…
دائمًا الوطن.