قطر تعلن مصرع 13 شخصا وإصابة 66 في انفجار مجمع للغاز الطبيعي الصليب الأحمر يسهّل نقل سبعة معتقلين مفرج عنهم إلى غزة ويجدد مطالبته بزيارة المعتقلين الفلسطينيين نشر أول.. الشروط الإسرائيلية للانسحاب من جنوب لبنان استشهاد مواطن متأثراً بجروح أصيب بها في قصف للاحتلال على مواصي خان يونس 4175 شهيدًا في لبنان منذ بدء العدوان الإسرائيلي الاحتلال يعتقل شقيقين ومستوطنون يخربون ممتلكات المواطنين جنوب الخليل مجلس الجامعة العربية يعتمد تعيين نبيل فهمي أميناً عاماً جديداً.. وشاهين تدعو إلى دعم عملي عاجل لفلسطين تقدم في المحادثات الأمريكية الإيرانية بسويسرا.. والرئيس الإيراني يزور باكستان الثلاثاء الاحتلال يقتحم بلدتي الرام وحزما شمال القدس وفد كنسي رفيع يزور العيزرية ويثمن دور الشرطة في حماية الأماكن المقدسة خطوات جديدة لتسهيل السفر .. اتفاق فلسطيني أردني لمتابعة أوضاع جسر الملك حسين ميدانيًا حالة الطقس: أجواء حارة إلى شديدة الحرارة حتى الجمعة ارتفاع النفط واستقرار الذهب وسط ترقب نتائج المحادثات الأميركية الإيرانية الذين صادروا الطريق .. بقلم شادي عياد الداخل المحتل : قتيل من طمرة في جريمة إطلاق نار قرب كابول قوات الاحتلال تعتقل 6 مواطنين من مخيم الفوار جنوب الخليل ترامب يحذر إيران من خرق الاتفاق مونديال 2026: النرويج إلى دور الـ32 بثنائية لهالاند أمام السنغال قوات الاحتلال تداهم منزل الشهيد ريان في كفر قليل جنوب نابلس مونديال 2026.. الجزائر تقلب تأخرها أمام الأردن إلى فوز وتنعش آمالها

الذين صادروا الطريق .. بقلم شادي عياد

الذين صادروا الطريق

 

في كل مرحلة من مراحل التاريخ يظهر رجال يصنعون الأحداث…

 

لكن بين حين وآخر يظهر صنف آخر من البشر لا يصنع التاريخ، ولا يغيره ولا يضيف إليه سطرًا واحدًا، بل يكتفي بالجلوس على هامشه سنوات طويلة حتى يظن الناس أنه جزء منه.

 

هؤلاء لم يأتوا لأن التاريخ استدعاهم…

 

بل لأن الصدفة ابتسمت لهم مرة، فجلسوا على الكراسي حتى نسوا أن الكراسي خُلقت لتتبدل، وأن المواقع العامة ليست عقارات خاصة، وأن المؤسسات لا تُبنى حول الأشخاص بل حول الفكرة والإنجاز.

 

الغريب أن بعضهم أمضى في المنصب سنوات أطول من عمر إنجازاته كلها مجتمعة.

 

فلا مشروع يُذكر.

 

ولا أثر يُروى.

 

ولا بصمة يفتخر بها الناس.

 

لكنهم مع ذلك يتحدثون عن أنفسهم وكأنهم آخر حكماء الأرض، وآخر الحراس على أبواب الوطن.

 

وحين تنظر حول بعضهم، تكاد تظن أنك لا تنظر إلى مؤسسة عامة، بل إلى شجرة عائلة معلقة على الجدار.

 

فالأب هنا…

 

والزوجة هناك…

 

والابن في موقع حساس…

 

والابنة في موقع لا يقل حساسية…

 

والقريب يشرف على جهة أخرى…

 

والصديق يحرس باب الجهة الثالثة…

 

حتى يكاد المواطن البسيط يعتقد أن الوظائف العامة أصبحت تُسجل في دفتر العائلة قبل أن تُعلن للناس.

 

والمثير للسخرية أن أصحاب هذه المعجزة الإدارية لا يتوقفون عن الحديث عن الكفاءة وتكافؤ الفرص ومحاربة الواسطة.

 

وكأن الناس لا ترى.

 

وكأن الذاكرة ماتت.

 

وكأن الصدفة وحدها قررت أن تتجمع كل هذه العبقريات الاستثنائية تحت سقف واحد.

 

والمؤلم في الأمر أن المواقع العامة ليست هدية من أحد لأحد.

 

إنها أمانة.

 

أمانة منحها شعب أنهكته الأوجاع، ودفع أثمانًا باهظة كي تبقى مؤسساته واقفة على قدميها.

 

لكن بعض الجالسين على تلك المقاعد تصرفوا وكأن الأمانة ملكية خاصة، وكأن الثقة التي مُنحت لهم كانت شيكًا مفتوحًا لا يُسأل صاحبه عنه.

 

فبدل أن يحرسوا الأمانة، أحاطوا أنفسهم بالمقربين.

 

وبدل أن يفتحوا الأبواب للكفاءات، أغلقوها بالمفاتيح ذاتها التي سلمهم إياها الناس.

 

وبدل أن يكونوا أمناء على الفرصة، تحول بعضهم إلى حراس لمصالحهم.

 

وهنا لا تكون المشكلة مجرد فشل في الإدارة…

 

بل خذلانًا صامتًا لثقة كبيرة وُضعت في المكان الخطأ.

 

أما الكفاءة الحقيقية…

 

فتنتظر خلف الباب.

 

وأما أصحاب الخبرة…

 

فيجلسون في المقاعد الخلفية يتفرجون على المسرحية بصمت.

 

ويا للمفارقة…

 

فبعض الذين لم ينجحوا يومًا في صناعة نجاح حقيقي، ولم يتركوا خلفهم إلا المزيد من التعقيد والتبرير والفلسفة الفارغة، أصبحوا فجأة خبراء في الحكم على الآخرين.

 

بل إن بعضهم يُطلب منه تقييم رجال قد يكونون أصلح منه علمًا، وأوسع خبرة، وأقوى حضورًا، وأنظف سجلًا، وأكثر قدرة على خدمة الناس.

 

وهنا تبدأ الحكاية.

 

تُفتح الأدراج.

 

وتُستحضر الهمسات.

 

وتُخترع القصص.

 

وتُنسج الروايات.

 

وتتحول الإشاعة إلى معلومة.

 

والظن إلى حقيقة.

 

والكذب إلى تقرير.

 

ليس خوفًا على المؤسسة…

 

ولا حرصًا على الوطن…

 

بل خوفًا من أن يصل شخص قادر على العمل.

 

فالكفاءة بالنسبة لهم ليست فرصة.

 

إنها تهديد.

 

والنجاح ليس مكسبًا.

 

إنه خطر.

 

والرجل القادر ليس إضافة.

 

إنه مرآة.

 

ومشكلتهم الكبرى أنهم يخافون المرايا.

 

لأنها تُظهر للناس حجم المسافة بين الكلام والإنجاز.

 

وبين الادعاء والحقيقة.

 

وبين سنوات الجلوس الطويلة وحصادها الضئيل.

 

لذلك لا يحاربون الفاشلين…

 

الفاشلون لا يزعجون أحدًا.

 

بل يحاربون كل من يمكن أن يكون عينًا يقظة للمؤسسة، أو يدًا نظيفة قادرة على البناء، أو عقلًا حرًا لا يدين لهم بشيء.

 

يحاربونه قبل أن يبدأ.

 

ويطعنون فيه قبل أن يعمل.

 

ويحاكمونه قبل أن تُمنح له الفرصة.

 

فوجوده وحده يهدد عالمًا كاملًا بُني على الاحتكار والخوف وتبادل المصالح.

 

لكن ما لا يفهمه هؤلاء أن المؤسسات لا تُبنى بالتقارير الكيدية.

 

ولا تُدار بالوشايات.

 

ولا تتقدم بالخوف من الرجال الأكفاء.

 

فالأوطان التي تحترم نفسها تبحث عن أفضل أبنائها، لا عن أكثرهم قدرة على إقصاء الآخرين.

 

والقادة الكبار لا يبحثون عن أصحاب الأصوات المرتفعة، بل عن أصحاب الأكتاف القادرة على حمل المسؤولية، والقلوب النظيفة التي تضع المصلحة العامة فوق مصالحها الخاصة.

 

أما أولئك الذين جعلوا من التشكيك مهنة، ومن التعطيل هواية، ومن احتكار المواقع مشروع حياة…

 

فعليهم أن يتذكروا حقيقة واحدة.

 

أن التاريخ قد يصبر طويلًا…

 

لكنه لا يمنح الخلود لأحد.

 

وأن الكرسي الذي حمى صاحبه سنوات، قد يصبح يومًا شاهدًا عليه.

 

وأن الأبواب التي أُغلقت في وجه الأكفاء ستُفتح.

 

وأن الأسماء التي حوربت ستبقى.

 

فالأمانة ليست مكتبًا.

 

وليست سيارة.

 

وليست لقبًا يُكتب على بطاقة تعريف.

 

الأمانة هي ثقة شعب.

 

ثقة معلم ضاقت به الحياة وهو ينتظر غدًا أفضل.

 

وثقة موظف يحسب الأيام بين راتب وراتب.

 

وثقة أب يخشى على مستقبل أبنائه.

 

وثقة أم ما زالت تؤمن أن هذا الوطن يستحق رجالًا يضعونه فوق مصالحهم الخاصة.

 

وحين تتحول هذه الأمانة إلى وسيلة لحماية الأقارب، أو إقصاء الكفاءات، أو احتكار الفرص، فإن المشكلة لا تعود مشكلة إدارة فحسب…

 

بل تصبح سقوطًا أخلاقيًا في امتحان الثقة.

 

فالشعوب قد تصبر على الفشل.

 

وقد تتحمل الأخطاء.

 

لكنها لا تنسى من وضع مصلحته فوق مصلحتها.

 

ولا تنسى من استبدل الأمانة بالمصلحة، والثقة بالاحتكار، والوطن بالحسابات الضيقة.

 

فالأمانة التي يمنحها الشعب قد يصبر عليها طويلًا، لكنها في النهاية تعود لتسأل أصحابها:

 

ماذا فعلتم بها؟

 

أما الذين عاشوا أعمارهم في مصادرة الطريق أمام الآخرين، فسيكتشفون متأخرين أن الطريق لم يكن ملكًا لهم أصلًا.

 

وأن الوطن أكبر من مكاتبهم.

 

وأكبر من شبكات مصالحهم.

 

وأكبر من تقاريرهم.

 

وأكبر من خوفهم.

 

فالشمس لا تستأذن أحدًا عندما تشرق.

 

والحقيقة لا تطلب إذنًا عندما تظهر.

 

وحين يأتي الصباح…

 

لن يسأل الناس من كان يجلس على الكرسي.

 

ولا كم سنة أمضاها فيه.

 

ولا كم بابًا أغلقه.

 

ولا كم كفاءة حاربها.

 

بل سيسألون سؤالًا واحدًا فقط:

 

من الذي خدم الوطن…

 

ومن الذي صادر الطريق.

 

 

بقلم :شادي عياد