2024-11-01 17:01:49
د. عوض سليمية: اليوم التالي للانتخابات الرئاسية الأمريكية 2024
بقلم- د. عوض سليمية
يدخل السباق الرئاسي بين مرشحي الحزبين الديموقراطي- كامالا هاريس والجمهوري دونالد ترامب، الانعطاف الأخير نحو صندوق الانتخابات المقرره يوم الثلاثاء 5 نوفمبر 2024، للفوز بمفاتيح البيت الابيض في نسخته الستين، وسط حالة من الاستقطاب الحزبي الشديد والتنابز بالألقاب، يدلل عليها الحضور المكثف لمصطلحات ليس لها علاقة بالمنافسة الانتخابية النزيهة تتردد على السنة كلا المرشحين. تتراوح بين عبارات “مهووس” و”فاشي” و”قمامة في الشوارع”، بدلاً من تثقيف الناخب الأمريكي على الأجندة الانتخابية الداخلية والخارجية لمنحه مساحة أوسع للتفضيل بين أجندة المرشحين في صندوق الانتخاب.
بين لا ونعم، تظهر استطلاعات الرأي التي تضغط على عصب العين للناخبين، تناقضًا كبيرًا في نتائجها صعودًا ونزولاً، تبعًا لتلاعب الجهة المنظمة، تنبؤنا أحيانا بتقدم ترامب بنقطتين أو أكثر على المستوى الوطني، تتبعها أُخرى تؤكد تقدم هاريس أكثر من أربع نقاط. ومع ذلك، فإن الانتخابات القائمة أكثر من مجرد تنافس ترامب وهاريس. فهناك مجموعة كبيرة من سباقات الاقتراع تجري في جميع أنحاء الولايات الامريكية، من بينها تحديد الأغلبية على الكونجرس بغرفتيه (النواب، ستخضع جميع المقاعد وعددها 435 للانتخاب، يحتفظ الجمهوريون بـــ 220 مقابل 212 للديموقراطيين. وسيخضع 33 مقعداً في مجلس الشيوخ للقلب من أصل 100 مقعد، يسيطر عليه الديموقراطيون والمستقلون بفارق ضئيل 51 مقابل 49 للجمهوريين)، وهنا يكمن تركيز لوبي إسرائيل للسيطرة على صنع القرار للرئيس الأمريكي القادم.
بينما تظهر الخارطة الانتخابية في الولايات المتحدة شبه انقسام في التأييد لحزب دون الاخر- الاحمر مقابل الازرق، وهي ولايات شبه ثابتة في توجهاتها الانتخابية منذ عقود، يتجه تركيز المتنافسين على سبعة ولايات قادرة على حسم السباق تسمى “الولايات المتأرجحة” أو “ولايات حسم المعركة الانتخابية” والتي تحتفظ بـ93 مقعدًا للمندوبين في المجمع الانتخابي من اصل 538، وهي ولايات الجدار الأزرق وتضم (بنسلفانيا، ويسكنسن وميشيجان)، بالإضافة إلى ولايات حزام الشمس الجنوبي وتضم كل من (جورجيا، اريزونا ونورث كارولاينا) مضافاً اليها ولاية نيفادا. ومع ذلك من الممكن أن يفوز المرشح الرئاسي بأكبر عدد من الأصوات على المستوى الوطني للولايات المتحدة – كما حصلت هيلاري كلينتون في انتخابات عام 2016 – لكن لا يعني ذلك بالضرورة ان يتم إعلان اسم المرشح الفائز، فما زال أمامه مهمة حاسمة تتمثل في منحه الأصوات اللازمة للفوز من قبل أعضاء المجمع الانتخابي 270+ من اصل 538 مندوباً.
مع الاقتراب المستمر نحو صناديق 5 نوفمبر، لا نحتاج إلى عدسات تكبير لتفحص مواقف كلا المرشحين من العدوان القائم على فلسطين ولبنان، ولا حاجة لوسائل اعلام لتكون بمثابة احزمة ناقلة للتصريحات، فالافعال سبقت الاقوال لكلا المرشحين منذ سنوات، ومن الصعب العثور على فروق جوهرية تشير إلى وجود نية لدى كلا المرشحين بوقف العدوان أو إخضاع العلاقة المميزة بين إسرائيل وأمريكا للتدقيق، ويستمر كلا المرشحين بتجاهل مطالب القاعدة الجماهيرية من العرب والمسلمين وأنصار الحق الفلسطيني وحتى أعضاء الكونجرس، التي تنادي بضرورة وقف العدوان القائم فوراً واجراء مراجعة شاملة لنوعية العلاقة القائمة بين بلادهم وإسرائيل.
من ناحية، تظهر المرشحة الديموقراطية كامالا هاريس انفصاماً في المواقف والاعلانات الانتخابية وتضبط عقارب ساعتها مع توقيت إسرائيل، عندما تستحضر الحجة المُلتوية القائلة “بحق اسرائيل في الدفاع عن نفسها” الى جانب “اتهام انصار الحق الفلسطيني والطلاب المتظاهرون داخل الحرم الجامعي بمعاداة السامية” وتعهداتها المستمرة بصفتها نائباً للرئيس بايدن بمواصلة تقديم كل أشكال الدعم لإسرائيل. وبين مطالبها بوقف حرب الابادة الجماعية على قطاع غزة، وضرورة إدخال المساعدات الانسانية للمواطنين الفلسطينيين في قطاع غزة الذين انهكهم العدوان المستمر منذ اكثر من عام بفعل دعم إدارتها منقطع النظير لإسرائيل.
من ناحية أخرى، لا يبتعد المرشح ترامب كثيراً عن مسارات منافسته هاريس الملتصقة بخطوط اسرائيل، في محاولة لخطب جيوب وأصوات الجالية اليهودية-الأمريكية، والاستحواذ على مباركة لوبي إسرائيل وجماعات الضغط، ويستنسخ مواقفه المستوحاة من صفقة القرن المنحازة بالكامل لإسرائيل، ويتباهى بدعمه لتحالف نتنياهو “افعل ما عليك فعله للدفاع عن نفسك”، في إشارة واضحة تؤكد استمرار دعم هجمات إسرائيل على وقطاع غزة ولبنان، واستمرار سياسة تدمير السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية.
في هذا السياق، يحاول ترامب سد الهفوات التي تقع فيها هاريس بالعمل على تضليل الناخبين بمواقف متناقضة بشأن العدوان على قطاع غزة ولبنان. من ناحية، يصور نفسه على أنه صديق لا مثيل له لإسرائيل أمام الجماهير اليهودية، بينما يناشد ممثلي الجالية العربية والمسلمة بالقول إنه يدعم السلام وسيصلح الفوضى التي احدثتها سياسات إدارة بايدن -هاريس في الشرق الاوسط.
في واشنطن الحقائق تظهر قبل إعلان اسم الفائز في انتخابات الرئاسة 2024، سواء هاريس او ترامب، فالشيء الثابت في السياسة الخارجية لواشنطن هو استمرار دعم إسرائيل وضمان تفوقها النوعي على مجموع دول المنطقة، إلى جانب اجهاض أي مبادرات لتجسيد قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على الأرض الفلسطينية، وهي سياسة ثابته تنتهجها الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ عهد ترومان حتى ساكن البيت الأبيض الجديد.
في رقعة ملحوظة بشكل خاص من الأرضية المشتركة بينهما، يستمر دعم كلا المرشحين هاريس وترامب لعدوان إسرائيل متعدد الجبهات، وكلاهما يسعى إلى توسيع صفقات التطبيع بمقابل “تنازل” صفري. ولا أحد منهم معجب بعبارة حل الدولتين لانهاء الصراع، ويرسل كلاهما إشارات واضحة نحو ضرورة إعادة هيكلة الشرق الأوسط من جديد دون حل القضية الفلسطينية حلا ًعادلاً وشاملاً.
باحث في العلاقات الدولية