يكفينا شعارات ولنبدأ مشوار العمل
لقد نظّر الإعلاميون والساسة والمفكرون علينا لعقود فيما يجب، وفي وسائل ترسيم الأهداف وتحقيق التنمية ، وامتلأت المكتبات لدينا بالتجارب الذاتية وتجارب الآخرين فشلاً ونجاحاً، وبتنا كنخب مثقفة ومتعلمة في هذا الزمان على قدر من الوعي يخولّنا أن نعرف الغثّ من السمين ، والسمّ من الدسم ، والخيرَ من الشر ، ولا ينقصنا في مجال النظريات شيء من القيم والمفاهيم والحِكَم .
اليوم ، وبعد سلسلة التطورات والتقلبات والظروف السياسية والاقتصادية والأمنية والمعرفية والصراعات الفلسفية ، لم نعد بحاجة إلى أرسطو طاليس ولا الفارابي ولا مالك بن نبي ولا غيرهم من الفلاسفة والمتحدثين وعلماء المنطق والكلام ، نحن بحاجة فقط لمن يعلق الجرس ، لمن يقول ها أنذا، سأبدأ مشروعي الذاتي في البناء والتغيير .
لقد غدت الحاجة ماسة اليوم للتجارب الجديدة المنطلقة من رحم المنطقة الشرقية وعلى أيدي أبنائها ، تجارب تستوعب ما تم، وتستقرئ من التاريخ الشواهد ، ومن خلال السياسة وألاعيبها كيفيات وآليات تسيير الأمور ، وتقدم حلولاً عملية للمشكلات الصغيرة التفصيلية المناطقية وصولاً لمشروع شمولي تتعاهد عليه نخب المشرق كلها بعد ثقتها بنجاحه وامتلتكه مقومات الثبات .
في تونس تجربة ، وفي ليبيا تجربة ، وفي تونس معادلة ، وفي اليمن معادلة أخرى ، وفي لبنان معطيات ، وفي سوريا معطيات أخرى ،وفي العراق مخططات ، وفي فلسطين مخططات أخرى ، ومن مغاربنا إلى خليجنا العربي أمسينا نمتلك عشرات الجامعات التخصصية ، ومئات مراكز الدراسات والبحوث ،وآلاف مؤسسات العمل الأهلي غير الحكومي ، ولدينا بحمد الله ملايين الشباب المستعد لحمل الأمانة ومواجهة التحديات مهما عظمت ، ولدينا من قدراتنا ومواردنا ما يمكن لنا من خلاله إحداث الفارق في معادلة المصالح الدولية .
الوقت إذاً وقت العمل ، وقت طرح البرامج الفعلية ، وقت التيارات الفكرية الواعية ، والبرامج السياسية التي تتجاوز الكلاسيكية القاتلة ورواية الطرح الفئوي والإقصائي، هذا زمان بناء ذاتٍ جديدة تكاملية ، يشترك في رسم ملامحها القلمُ المفكر ، والسيفُ الثائر ، والمالُ الطاهر ، وعدسةُ الكاميرا الأمينة ، وعقلُ القيادة الشبابية الناضج .
التحدي الماثل أمام نخبنا اليوم ليس تكالب الدول الغربية - وإن كان ذلك أحد المعطيات التييجب الوعي بها وفهم مداخلها ومخرجاتها - وليس المال ولا السلاح، بل هو الخوف الذي لم ينكسر لغاية الآن ، الخوف من الفشل ، والخوف من دفع الضريبة ، والخوف من فشل التجربة الجديدة ، والخوف من الخونة في داخل الصف ، والخوف من نقطة البداية .
لقد بدأت الثورات على مدار التاريخ في أوروبا والمشرق الإسلامي من مواقع شتى ، بعضها بدأ في الكنيسة وبعضها في مقابل أبواب الكاثدرائيات رفضاً للهيمنة الكنيسة ، وبعضها بدأ من المقاهي وبعضها الآخر بدأ من المساجد ، ولكن أعظم الثورات التي تمت على مساحة العالم احتاجت إلى رائد وشعار ورؤية وحافز .
رائدٌ يثق الناس به وبعقله ، وشعارٌ يؤمن الناس بأنه الحل لمشكلاتهم ، ورؤية واعية لمستقبل المسير بهذا الشعار وخلف هذا الرائد القائد ، وحافز يجمع الناس بمختلف شرائحهم خلف القيادة والشعار والرؤية.
فليبدأ كل منا فى موقعه بتقديم مشروعه ، ولتكن الآمال كبيرة ، والأحلام عريضة ، فما من تغيير قام بلا حلم ، وما تحقق حلم إلا بعد إيمان الجماهير بقابليته للتحقيق في أرض الواقع .
مارتن لوثر كينغ ، مالكولم إكس ، الأمير عبد القادر الجزائري ، تشي جيفارا ، عمر المختار ، وغيرهم الكثير ، قادوا شعوباً نحو الآمال التي آمنوا بها ، وسارت الجماهير خلفهم لأنهم كانوا قيادة واثقة بما تطرح ولديها قابلية المواجهة ، فالناس تحب خطاب القوة وخطاب التجديد ، وتعشق القائد الذي يزأر برؤيته في كل ميدان ، عاملاً لغيره لا لنفسه ، منتفضاً على كل التقاليد والأعراف والأمثال المحبطة وشعارات التهذيب ودعوى الخوف من التغيير ، واليوم سمعنا بأسمائهم وأحلامهم وثوراتهم وأفكارهم لأنهم قضوا في سبيلها ورووا أفكارهم بدمائهم .
وكلمة أخيرة ومثال حي ، في تركيا ، تمت الإطاحة بالقائد السياسي ورئيس الوزراء التركي عدنان مندرس، وتم إعدامه على يد العسكر الانقلابي ، وتم نفيه خارج تركيا ، وهو شخص علماني لم يعرف عنه أنه ركع لله ركعة ، ولكن الشعب التركي كله اليوم ، من عرفه ومن لم يعرفه يدعوا له بالرحمة ، لأنه قام بتعريب الأذان بعد أن كان ينادى به في اللغة التركية ، وبعد عقود ، أعيد جثمانه لقلب اسطنبول ، ووضع في أبرز نقطة فيها ، وسميت آلاف المحطات والسفن والمراكز والمؤسسات والشوارع باسمه لأنه أحدث فارقاً واحداً في الحياة ، فكيف بك إذا سبقته بفعل أكبر !
أنت قادر بلا شك ، فبادر ولا تتردد ، ولا تنتظر أن يأتي الحل لمشكلات الواقع من مظلة تنزل علينا من السماء أو عصى سحرية تقلب الواقع دون تعب وجهد وتخطيط وبذل .