المصالحة بين النظرية والتطبيق نعم لتكامل الاستراتيجيات
عانى الشعب الفلسطيني من الاوقات الاصعب منذ حدوث الانقسام، وما زالت الاراء والتوجهات تتباين وبشدة حول اسباب حدوثه وطرق علاجه وتجاوزه. وعلى الرغم من السلسلة الطويلة من اتفاقات المصالحة ووثائقها الموقعة إلا ان كل طرف يسعى لإقصاء الاخر وإلغائه والقضاء عليه او تحجيمه ومحاصرته.
وتكمن مشكلة الانقسام في عدم القدرة على قبول الاخر والاستفادة من قدرته والتكامل معه للمصلحة الكلية، فبرنامج اوسلو متهم بالتفريط وبيع الوطن ومعه كل جماعات المصالح المرافقة له وتيار المقاومة متهم بعدم السعي للمصالحة او الوحدة الوطنية ان صح التعبير إلا تحت ظرف الانقلاب الاقليمي ضده، ويتهم ايضا بأشياء اخرى ما انزل الله بها من سلطان.
وقد يقول قائل حق لهم ألا يقبلوا بعضهم البعض، فكيف يلتقي تيار التسوية وتيار المقاومة ولكني اقول اين المفر ان كان كل منهما يمثل جزءا جوهريا من الشعب الفلسطيني ومن قضيته مهما اختلفت دوافعهم ومهما شرفت او دنت وهذه معضلة لا بد من الاقرار بأنها قائمة. ورغم هذه السنوات الطويلة من الانقسام وأثره السلبي من تهويد للأرض والمقدسات فلا حديث إلا عن احلال او تعايش الاستراتيجيات والبرامج وهي المعضلة الأعظم، ولكن ماذا عن تكامل البرامج.
في الواقع لسنا بدعا من الشعوب والثورات ولا بد ان نسعى لقبول الاخر والتكامل معه، ولا بد من تكامل السلاح والسياسة حتى لا تضيع الجهود ولتصب في المصلحة الكلية، ولننتبه ان الاقصاء والصراع يصب لمصلحة العدو وأن هناك كماليزيا من فرض فيها المحتل اعراقا اخرى على السكان الاصليين ولم يمنعهم ذلك من الدخول للمستقبل من اوسع الأبواب، وأنا لا ادعو هنا لقبول من ليس منا، وإنما لقبول بعضنا البعض وتكامل جهودنا كي لا نخدم عدونا من حيث لا ندري والكف عن الاقصاء والتخوين، خصوصا ان الرغبة لا تغني من القدرة شيئا.
اعتقد ان حالة الاستقطاب الحاد والطويل بين التنظيمين الكبيرين اللذان يمثلا البرنامجين موضوع الحديث لم يدعا لأي قوى اخرى في المجتمع من وجود إلا وجودا لا يغني من الحق شيئا من الاحزاب الصغيرة والهياكل المجتمعية من قوى "مدنية" و"مثقفين" وكتاب وأكاديميين وغير ذلك ممن يدورون في فلك هذين التنظيمين الكبيرين ويقتاتون على فتاتهم، بل ويكونوا ملكيين اكثر من الملك احيانا، نفاقا وللتقرب من دوائر صنع القرار بعيدا عن احتياجات الناس ومعاناتهم او الاعتراض شكلا للحفاظ على بعض ماء الوجه. وان وجدت قوى خارج ما سبق فأين تأثيرها الحقيقي والفعال او لعلها تقتات على موائد اقليمية لتستفيد من الانقسام لمصلحتها الحزبية.
ان حالة الاستقطاب الاحادية التي سادت تونس قبل الثورة جعلت كافة القوى المضادة تتشكل في هياكل مجتمعية مختلفة استطاعت ان تلعب بعد الثورة دور النظير للسلطة السياسية الرسمية مما ادى لنظام سياسي رسمي اكثر ديناميكة وحيوية وديمقراطية من تلك ثنائية الاقطاب كالتي سادت في مصر بين الاخوان والحزب الحاكم او في فلسطين بين حماس وفتح والتي شطبت التأثير المجتمعي الحقيقي والجوهري في صناعة القرار السياسي وخلقت حالة الاستفراد والاستبداد محاطة بهالة من الاستعباد.
لذا لامناص من العمل على احياء ودعم القوى المجتمعية التي تعالج الامور بشكل علمي ومهني لتكون رفيدة للرغبة الشعبية الجامحة في اتمام المصالحة وتوحيد الجهود لخدمة القضية الام بعيدا عن المصالح الحزبية الضيقة.