هل هو حقا تطوع؟!
وكالة الحرية الاخبارية "ما دُمت لا أستطيع الحصول على عمل، فسوف أتطوع، على الأقل سأرى ناساً غير الناس ووجوها غير الوجوه". قالها جاري أحمد بعصبيّة بعد نقاش حامي الوطيس مع والديه بسبب بقائه في المنزل لعدم تمكنه من إيجاد أي عمل، بعد تخرجه من الجامعة منذ عامين. أما أسيل، ابنة جارٍ آخر فقد قررت أن تتطوع لخدمة المجتمع من خلال انضمامها لجمعية "مسرح نعم"، حيث تساعد في تنظيم الجمهور الوافد إلى المسرح لمشاهدة العروض المسرحية، وفي نظافة المكان، وبالقيام بمهمات بعض المشتريات، وحتى في تصوير الأوراق والنصوص أو عمل القهوة والشاي للعاملين والمتدربين في المسرح.
فما هو التطوع؟ وهل هو فعل يقوم به الإنسان بدافع اليأس من إيجاد عمل أو وظيفة ما. أم هو فعل يقوم به المرء فقط لملء الفراغ القاتل في حياته، رغم إمكانية كونه مرتاحا ماديا وليس بحاجة للعمل؟ أم هو فعل إنساني بحت، يهدف إلى إسعاد الناس، أو المحتاجين للمساعدة في شتى المجالات؟
منذ وجدت المجتمعات والتكتلات السكانية، وجد التطوع، فبعد نشأة الجمعيات المختلفة وانتشارها في فلسطين مثلاً، حرصت على نشر ثقافة العمل التطوعي، حيث أصبح العمل التطوعي ركيزة أساسية في بناء المجتمع، ونشر ثقافة التماسك الاجتماعي بين المواطنين. فالإنسان الفلسطيني أصر على تقديم العون والمساعدة لمن يحتاج دون مقابل رغم المعيقات الكثيرة التي عاناها الشعب الفلسطيني على مدى صراعه الطويل مع الاحتلال. وقد زادت نسبة المتطوعين أيام الانتفاضة الأولى مثلاً بسبب الحس الوطني والتمسك بالأرض.
الدكتور وائل الرجبي قال بأنه يشعر بالسعادة حين يرى الخدمات الشبه مجانية تقدم للمرضى في الطبي المستوصف ديوان النتشة القديم في البلدة القديمة، وأعداد الناس بتزايد مستمر الذين يستفيدون من هذا المركز. والراحل الحاج ديب بدر، مثال آخر على تقديم أحد الأبنية لفتح مركز طبي لخدمة الناس بأسعار رمزية.
ولكن الآن وللأسف، تتراجع أعداد المتطوعين، حيث أصبح لدى المواطن أولويات أخرى، تتمحور في أغلبها حول لقمة العيش، والتمكين الإقتصادي، وانحرفت عن موضوع الانتماء الوطني وبناء المجتمع. فالتقليل من شأن الشباب، وضعف الوعي بمفهوم وفوائد المشاركة، وعدم السماح للشباب بالمشاركة في اتخاذ القرارات، وقلة البرامج الموجه للشباب، وغياب وجود سياسات داعمة لعملية المشاركة وإقصائهم عن عملية صنع القرار في المراكز المهمة. كل ذلك أدى إلى خلق حالة من عدم التكاملية، وغياب التنسيق والعمل المشترك بين المؤسسات الأهلية، والحكومات والأطر الشبابية، وغيرها من المعيقات التي أدت الى عزوف الشباب عن استمرارية المشاركة بالعمل التطوعي. فأحد الشباب والذي رفض ذكر اسمه قال: "لقد تخرجت منذ ست سنوات، وبحثت عن عمل لعامين كاملين، ثم قررت التطوع لعلي أحصل على عمل، تطوعت لثلاث سنوات، لكن جهودي كلها راحت هباءً، ولم يُقدّر أحد مجهودي، وها أنا الآن عاطل عن العمل".
إن الاستراتيجية الأساسية للتطوع تتمثل في دعم مشاركة الشباب في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تعزز من تمكين الشباب الفلسطيني باعتبارهم مشاركين وصانعين لعملية التنمية واتخاذ القرارات وتحديد أولوياتهم واحتياجاتهم. فمسؤولية العمل التطوعي مسؤولية وطنية تلعب فيها المؤسسات دوراً فاعلاً ومؤثراً.
أنا أقول أنّه لا بد من بلورة مشروع قانون ينظم العمل التطوعي يكون موازياً للخدمة الاجتماعية أو الوطنية. فالانخراط في العمل التطوعي يملأ الفراغ، وينمي المهارات، ويصقل مواهب الشباب، حيث تصبح لهم شخصية قيادية مُبدعة تترك بصمة مُميّزة في المجتمع. و"مسرح نعم" – مثالنا في هذا التقرير – له دور كبير في صقل المهارات والمواهب لدى المتطوعين وزيادة ثقتهم بأنفسهم وتحملهم لمسؤولياتهم، وخلق شخصية قيادية قوية مُميّزة، بحسب ما صرحت به إسراء التي تتطوع في المسرح منذ عامين، وحديثا بدأت تجني ثمار تطوعها من خلال قيامها ببعض المهام مدفوعة الأجر، فهي تصرح قائلة: "لقد استفدت من فترة التطوع كثيرا، شخصيتي أصبحت أقوى، ثقتي بنفسي ازدادت، وكذلك زادت خبرتي في العمل، مما سهل علي العمل حين كلفت بالمهام بشكل رسمي".
وأخيراً فإن التطوع في عمل ما لا يعني بأي حال أن مجهود الشخص المتطوع يذهب أدراج الرياح. فالتطوع في النهاية عمل نبيل، إنساني يرفع من قيمة فاعله، ويدفع المجتمع دفعاً لاحترامه وتقديره واللجوء إليه عند الشدائد.