حتى يلتقي السامري وموسى
تبرز اسئلة كثيرة عما آلت اليه نتائج بحث مسار المفاوضات الفلسطينية – الاسرائيلية في المجلس الوزاري للجامعة العربية ؟! وماذا استطاع هذا الماراثون الجديد غير العادي لوزراء الخارجية العرب ان يقرر او يفعل ؟! هل استطاع ان يخرج هذه المفاوضات من مرحلتها الحرجة ، ويخلصها من ازمتها المستفحلة والمستوطنة ، وعراقيلها المعقدة ، او ينتشلها من عثراتها المتتالية ، او يقشع اوهامها وسرابها ؟! وهل استطاع ان يضعها على مسارات جديدة اكثر فاعلية ؟! علما بان اسرائيل - وليس غيرها - هي التي تقرر جدولة اعمالها، وتضع اولوياتها وشروطها وتفاصيلها ومآلاتها ونتائجها منذ ان بدأت مسيرتها الفاشلة ، ام ان المجلس العتيد بحث امر تدويلها رغم الرفض الامريكي لذلك ؟! ام انه حاول نسج مظلة عربية لتنازلات فلسطينية جديدة - وليس ذلك بغريب - على الرغم من ان الفلسطينيين تنازلوا عن كل شيء حتى اصبحت ظهورهم مكشوفة تستند إلى الحائط ، ولم تتزحزح اسرائيل عن عجرفتها وتعنتها قيد انملة ؟! ام اراد المجلس الموقر التمهيد لرفع القضية لعقد مجلس دولي على غرار مؤتمر جنيف ؟! وبخاصة ان روسيا الآن اصبحت لاعبا سياسيا كبيرا في المنطقة ، مما يرجى ان تحدث توازنا جديدا لصالح القضية الفلسطينية ؟! ام اراد المجلس اتخاذ قرار بالتوجه إلى مجلس الامن والامم المتحدة ومنظماتها ؟! ام اراد ان يستجوب الوفد الفلسطيني المفاوض عن اسباب تقديم استقالته لان قرار استئناف المفاوضات كان في الاصل قرارا عربيا ؟!
لقد وجد المجلس ان لا خيار امامه غير تمديد المفاوضات كما صدر عنه ؛لان المفاوضات نفسها كانت اصلا هي الخيار الوحيد والحصري امام العرب مع استبعاد اي خيار آخر او بديل او مواز، واعتبرت هذه اللعبة هي اللعبة المفضلة الوحيدة في مجال الصراع ، ولا خيار غير تمديدها كلما تأزمت ، او كلما دخلت في نفق مظلم غير عابر- مع انها لم تراوح مكانها - او كما في لغة العسكر ( مكانك سر، او خطوة تنظيم)؟!! ان هذه المفاوضات لم ولن تتقدم قيد انملة في ظل التعنت والصلف الاسرائيلي والممالأة والمحاباة الامريكية - راعية هذه المفاوضات- لربيبتها المدللة اسرائيل!!
اذن فما الجدوى الحقيقية من وراء هذه المفاوضات العبثية العقيمة ؟؟ وما الجدوى من امر تمديدها ، رغم ان الانسحاب منها بات مطلبا شعبيا فلسطينيا ، بل واكثرمن ذلك ، حيث سجلت معظم الفصائل الفلسطينية - باستثناء حماس- تحفظاتها كما سجل معظم الساسة الفلسطينيون تحفظاتهم عليها منعا لحدوث تداعيات يخشونها ،وبخاصة على خطة (جون كيري) وافكاره المنحازة -التي طرحها لحل النزاع- حيث اعتمدت افكاره الملف الامني وجعل الترتيبات الامنية كاساس لحل القضية الجوهرية، مما يحقق السيطرة الكاملة لاسرائيل ، ويضمن لها النفوذ التام.
باختصار شديد جاء قرار وزراء الخارجية العرب متواضعا حتى وصل إلى حد التخاذل ، فما كان منهم الا معاودة اجترار ما تعودوا عليه من قرارات مخيبة للآمال، اذ اتهموا اسرائيل المسكينة باعاقة عملية السلام وتعطيل مسيرتها ، واكدوا على التمسك بالحقوق الفلسطينية المشروعة والضائعة، فكان حال فعلهم كما قال الشاعر: -
كناطح صخرة يوما ليوهنها
فلم يضرها واوهى قرنه الوعل
لقد جاء قرار تمديد المفاوضات وفق ما رغبت فيه اسرائيل، ووفق ما تهدف اليه مخططاتها ، وما كان تعنتها ومراوغتها الا من اجل التمديد، لكي يحقق نتنياهو ما تعهد به لمواطنيه من مواصلة للاستيطان في الضفة المحتلة وتطوير المستوطنات القائمة.
ان استمرار التعنت ، وتحريض المستوطنين الاسرائيلين ضد الفلسطينيين ، والقتل والتدمير وهدم البيوت بعد بدء المفاوضات وخلالها كان يهدف إلى التمديد وذلك لكسب الوقت واللعب على عنصر الزمن الذي يعني لهم اتاحة الفرص الذهبية للتوسع الاستيطاني، وقضم الارض ونهبها ،وتصعيد تهويد القدس واسرلتها ، وانه من الواضح الجلي لكل ذي بصيرة ، ان لا نية صادقة ولا رغبة حقيقية لدى حكام اسرائيل لاتخاذ قرار يفضي إلى حل الدولتين المرفوض اصلا لديهم ، لقد خدع نتنياهو الفلسطينيين والعرب عندما صرح في (بار ايلان) عن امكانية حل الدولتين، ولم يكن ذلك الا طعما لذيذا في مصيدة لاستجلاب لعاب اللاهثين وراء السلام مع اسرائيل. وفتح شهيتهم ، وما كان ذلك الا ذرا للرماد في العيون، وتجميلا لصورة اسرائيل في الخارج ،وامتصاصا لغضب الشعب الفلسطيني ،وردا على الاحتجاجات والمواقف الدولية.
ان للصهيونية واسرائيل ركن من اركانها واداة من ادواتها - كما يحدثنا التاريخ - اطماعا توسعية كبيرة ذات دوافع عقدية وسياسية واقتصادية وعسكرية ، لا تشمل فلسطين وحدها بل وتشمل سائر البلدان العربية، ماضية في تنفيذها على مراحل وفق مخططاتها الرهيبة ، وذلك تحت غطاءات اوسلو التي كانت خطأ تاريخيا فادحا ، وتحت مظلة مسيرة التسوية السلمية البائسة ، والمفاوضات اللانهائية ، وتحت ستار الرعاية الامريكية المتقلبة والممالئة لاسرائيل والمحابية لها دوما، والمخادعة للعرب، فهي تدعي انها تضغط على اسرائيل ولكنها في الحقيقة انها تأتمر بامر الصهيونية.
لقد كان تلويح نتنياهو بعملية السلام تكتيكا مدبرا لارضاء المجتمع الدولي، مع ان اسرائيل لم تكترث بالاحتجاجات او النقد الدولي ؛لانها ضمنت باستخدامها ورقة المفاوضات ذريعة تغطي بها هذا النقد.
لقد لبس نتنياهو عباءة ثعلب ماكر في تهربه من اتخاذ قرارات تاريخية وجريئة او تنازلات كما تسمى في الخطاب السياسي الاسرائيلي، وهو يحاول ادارة الصراع وفق استراتيجية معقدة قوامها الخداع والتضليل والمراوغة والمساومة والمناورات والدخول في مفاوضات لا نهاية لها ولا جدوى ، فهو ومجموعة الليكود بافكارهم الاستيطانية يرون ان ادارة الصراع في المنطقة هو المحافظة على الوضع القائم، واستغلال كل علاقات القوة القائمة ،وميزان القوى الراجح لمصلحة اسرائيل، انهم يرون ان ادارة الصراع تكون بتكثيف الاستيطان وتقويته ،والسيطرة على اكبر قدر من الارض ،وفرض الامر الواقع عليها والاستفادة من ادوات اوسلو بموافقة فلسطينية وعربية ودولية كروافع مريحة لاسرائيل في عملية استمرار ادارة الصراع ،وتحقيق نتائج مثلى لها. يرى نتنياهو ان الميزان الاستراتيجي يميل للصالح الاسرائيلي بقوة ،وعلى جميع الاصعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية ،بخاصة بعد ان خرجت مصر وسوريا من حلبة القوى في الشرق الاوسط كلاعبين مؤثرين اثر الاحداث الاخيرة فيهما ، ويستنتج نتنياهو ويمينه الليكودي انه يستطيع ادارة الصراع بسهولة وبدون حل سلمي للقضية الفلسطينية، وكسب الوقت حتى ولو لسنتين قادمتين ؛حيث يتخلص مما يسمى بالضغط الامريكي ،لانشغال اميركا المكثف بانتخاباتها الداخلية . لقد بنت اسرائيل استراتيجيتها على الاستيطان والتدمير والعنف فاحتلت الارض وتبرت ما علت تتبيرا ،بالاعتقالات وتشجيع قطيع المستوطنين على العنف ضد الفلسطينين . لقد استغلت اسرائيل مفاوضات السلام فانشأت تحت مظلتها وخلف كواليسها واقعا استيطانيا استعماريا يشكل ورما سرطانيا خبيثا في الاراضي المحتلة عام 1967 فتضاعف عدد المستوطنين ثلاث مرات عن عام 1994 ،فاصبح عددهم اكثر من نصف مليون مستوطن، يعيشون في مستوطنات الضفة الغربية. ان اسرائيل تهدف من وراء ذلك إلى اغراق الضفة الغربية بمستوطنين جدد كلما سنحت لها الفرصة؛ لخلق واقع يقف عقبة كأداء ،ويمنع اي حل يعتمد التقسيم الجغرافي وحل الدولتين.وذلك كله تحت مظلة مفاوضات السلام التي ستستمر إلى ما لا نهاية وحتى يلتقي السامري وموسى.
الدكتور : شفيق علقم