رسالة إلى اتحاد المعلمين ووزارة التربية واولياء امور الطلبة الموقرين
في البداية لا بد لي أن أؤكد على حق المعلم الفلسطيني .. فأنا أحد أعضاء هذا الجسم
ولكن ...
من المؤسف أن يَفهم الناسُ وأولياءُ أمور الطلبة أنّ إضراب المعلمين - فقط - من أجل حفنة مال ممثلة بالرواتب والدرجات وكل ما يتعلق بالنواحي المادية البحتة
وعتابي في ذلك على الاتحاد ..
فلم يتطرقْ ولو لمرة واحدة الاحتجاج من أجل إنسانية المعلم أو من أجل العبء الملقى على الطالب ... ولو أن هذا حصل لوجدنا كلَّ أولياء الأمور يقفون إلى جانب المعلم من غير تردّد ..
ولكن ..
كلّ أسباب الاضراب تُلغي هذا الجانب الهام جداً مما يُعطي الفرصة لجمهور الناس التأويل كل حسب أهوائه ...
فمنهم من يسخط على المعلم ويتهمُه بأنه مقصر بحق مهنته وبلا ضمير ..
ومنهم من صار يعتبر المعلم إنساناً مادياً مما يلغي صفة القدسية عن هذه المهنة الشريفة والتي وُصفَ أصحابُها ذات يوم بأنهم ورثة الأنبياء ..
ومنهم من يُعزي أسباب الأميّة والجهل في المدارس إلى هذا الاضراب ..
ومنهم من يحتسب عند الله كل معلم مضرب لأن الأولاد ضاع مستقبلهم ....
وأكثرهم يتطاول على المعلم بسفاسف القول والكلام المجرّح وينسوا أن المعلم هو من علمهم كيف يكتبون ؟!!!!!!!!
وغير ذلك من التهم
فيا اتحادنا الموقر ..
أين المطالب العميقة التي تعزز من موقف المعلم والتي لها علاقة بالأعباء الملقاة عليه
وهنا ...........
لا بد من توضيح بسيط لتعريف الجمهور بهذه الأعباء ممثلة أولاً بالكم الهائل من المكتوبات التي يقوم بها المعلم فهو مطالَب بها وتؤثر على تقريره السنوي
وهي :
دفتر تحضير موجز , ملخص للمادة ,دفتر علامات جانبية,دفتر علامات رسمي ,دفتر حضور وغياب , دفتر له علاقة بالنشاطات واللجان , دفتر لتسجيل الاجتماعات الدورية لأسرة المبحث , ومتابعة انجازات واجتماعات الأسرة الصفية , وخطط علاجية موثقة ,, بعضها يتجاوز العشر صفحات , كل ذلك غير الوسائل التعليمية التي يطالب بها المعلم لكل حصة
إضافة إلى ضرورة قراءة كل التعميمات التربوية التي تصل يومياً إلى المدارس بالعشرات ... تخيلوا كل هذه الدفاتر وكل هذه العبء على كاهل المعلم ... وكأن المعلم يعمل آلة ناسخة ..
ناهيك عن النشاطات اللامنهجية المُلهية والمشتتة لأذهان الطلبة والمسابقات التي تملأ جُل وقتهم ووقت المعلم .. فالمدارس تتسابق لـتأخذ المركز الأول في هذا النشاط أو ذاك
ويأتي آخر الفصل ويُطالب فيه المعلم باستكمال المنهاج حتى آخر صفحة ...
عملاً بالمثل ( مفلوق لا تاكل .. وصحيح لا تفلق .. وكول لما تنسطح )
كيف بالله عليكم يستكمل المنهاج ؟؟؟!!!
من أين يخلق الحصص ؟؟
أما المنهاج فحدّث ولا حرج .. الحق يقال أن المنهاج الفلسطيني نفتخر به كونه فلسطينياً ولكنه لا يتناسب مع الوقت الممنوح له وأعلى بكثير من مستوى الطلبة حتى بات الأهل يصرخون من عدم قدرتهم على تدريس أبنائهم حتى ولو كانوا يحملون شهادات .. فيضطرون إلى تخصيص معلمين لإعطاء أبنائهم دروساً إضافية ترهق ميزانيتهم ..
كيف ينسى الاتحاد هذا الجانب ... ولا يطالب بتغيير المنهاج لكي يتناسب مع الحصص المخصصة خلال الفصل .. ولكي يتناسب أيضاً مع مجتمعنا وطلبتنا ...
كيف ينسى الاتحاد الصفوف المكتظة بالطلبة والتي يزيد عدد طلابها في بعض المدارس على أربعين طالباً ...
من أين يأتي المعلم بالوقت اللازم لإيضاح فكرة معينة والوقت لا يتسع ...
وبذلك يوضع المعلم بين مطرقة المنهاج الطويل والصعب وبين سندان الموجّه والمدير الذي يطالبه بإنهاء المنهاج ...
وفي نهاية المطاف ..ينقسم الصف إلى قسمين كالزيت الذي يطفو فوق الماء ... قسم من الطلبة في القمة ... والقسم الآخر - وهو الأكبر - في القاع ..
فالطالب الذكي الذي يستطيع الفهم من أول محاولة شرح ... يتجاوز المرحلة ويُكمل الطريق مع أستاذه .. أما الطالب المتوسط والضعيف فيعجز عن المتابعة ويبقى خلف الركب فارغاً فاه لا يفهم ولا يستوعب .. وهذا الحال يُنجب الأمية المدرسية التي أجزم بأنها تتجاوز العشرين بالمئة إن لم يكن أكثر ...
وما يعزز هذا الجانب ويدفع به بقوة هو النظام الوزراي والذي يتمثل ب :
( الترفيع التلقائي ) بعدم ترسيب الطلبة في الصفوف الثلاث الأولى ...
فمَنْ كان حظـُه يتلألأ كان أستاذه معلماً قديراً في هذه الصفوف يأخذ بيده إلى بر الأمان فيخرج من الصف الثالث قارئاً وكاتباً جيداً ..
ومَنْ كان حظه متعثراً .. بقي متخلفاً عن زملائه الطلبة ويحمل عبأه معه حتى الصفوف العليا ...
ولذلك نشاهد هذا التراجع في المستوى التعليمي وبوضوح عند بعض الطلبة الذين وصلوا - ربما - إلى الثانوية العامة وهم لا يعرفون القراءة والكتابة ..
- وربما - يدخل الجامعة وييسر الله أمره فيكون حظه أستاذاً - من أولاد الحلال !!!! - يدفع به إلى التخرج رغماً عنه.
- وربما - يتخرج ويتعيّن في التربية ويصبح مربياً للأجيال القادمة ..
ونتساءل بعد كل ذلك وباستهجان ! :
من المسؤول ؟؟!!
لمَ هذا التراجع في المستوى التعليمي .؟؟!!
وفوق كل هذا وذاك .. ينسى الجميع .. غيابَ وسائل العقاب الرادعة والمحرّمة على المعلم ممارستها بحجة التمسك بأسلوب ( اللاعنف )
ولأن المعلم يحتجُ مضرباً .. فمن الطبيعي أن تُصبَ كل الاتهامات على رأس المعلم ..
ويأتي الاتحاد وينسى كل هذه الأمور التي من الأوجب أن يُضرب من أجلها .. لكنه يضرب من أجل ماديات .... وكأنه يعرف مسبقاً أن لا سبيل لتغيير كل ما مضى فيتعلق بالقشة التي يعتقد أنها المنقذة ولا يدري أنها هي القاتلة
نعم القاتلة ...
يكفي أنها شوهت صورة المعلم النقية في عيون الناس
لطفاً أيها الاتحاد .. ليست علة معلمينا هي المادة
لطفاً وزارتنا الموقرة .. العلة في قوانينكم وفي منهاجكم ..
أفيقوا أيها الناس ..
الأطباء يقولون : الحقيبة المدرسية تهدد مستقبل أبنائكم الصحي
ليست علة المعلم هي المادة ... فالعلة أكبر من أن تعالج بإضراب
أخيراً لا أريد التطرق إلى الجانب التربوي
فالجانب التربوي يحتاج إلى مجلدات للحديث عنه ..