حين نطق الملك بفلسطين… حاول الإرهاب إسكات الأردن! بقلم: شادي عيّاد
حين نطق الملك بفلسطين… حاول الإرهاب إسكات الأردن!
بقلم: شادي عيّاد
ما أقسى المفارقات، وما أكثر ما تكشفه اللحظات الفاصلة من معادن الرجال والأوطان!
قبل أن يبرد صدى كلمة جلالة الملك عبدالله الثاني في الأمم المتحدة، جاءت جريمة الكرك لتضع الأردن أمام امتحانٍ قاسٍ. هناك، كان الملك يواجه العالم بحقيقة فلسطين وحقّها في الحياة. وهنا، كان الإرهاب يواجه الإنسان في أبسط حقوقه: أن يعيش، وأن يصلّي، وأن يودّع موتاه بسلام.
في نيويورك، كان ملكٌ عربي يرفع صوته دفاعًا عن فلسطين، وفي الكرك، كان الإرهاب يراهن على الدم، كأن رصاصةً تستطيع أن تهزم وطنًا، أو أن تزرع الكراهية في قلب شعب.
لا أزعم أن بين المشهدين علاقةً لم تثبتها الوقائع، لكنني أرى فيهما صورةً مكثفة لمحنة منطقتنا: حقٌّ يحاصره الاحتلال، وأوطانٌ يستهدفها الإرهاب، وكراهيةٌ تتربص بكل مجتمعٍ يصرّ على الحياة. والأخطر أن الإرهاب لا ينمو دائمًا في فراغ. فثمة قوى استعمارية دنيئة طالما وجدت من اجل تمزيق المجتمعات وإضعاف الدول وإشعال الفتن وإخضاع الشعوب. وليس كل ما يخدم هذه المشاريع دليلًا على أن أصابعها تقف خلف كل جريمة، لكن من السذاجة أن نغفل مَن ينتفع من أوطانٍ تنشغل بدمائها عن حقوقها ومستقبلها.
لكن الأردن ليس وطنًا تخفض الرصاصات هامته، ولا شعبًا تعلّمه المحن كيف ينحني.
وهنا أفهم كلمة الملك على نحوٍ أعمق. فلم تكن فلسطين في خطابه بندًا دبلوماسيًا، ولم تكن القدس عنوانًا لاستدرار التصفيق. كان يتحدث عن شعبٍ لا يجوز محوه، ومدينةٍ لا يجوز اقتلاع هويتها، وعدالةٍ لا تفقد حقها لأن أصحابها محاصرون.
وحين يتحدث ملك الأردن عن فلسطين، فهو لا يستعير وجعًا غريبًا، إنه يتحدث عن قضيةٍ يعرف الأردن أثمانها، ويحمل مسؤولياتها، ويدرك أن ترك فلسطين وحيدةً لن يصنع استقرارًا لأحد.
أما جريمة الكرك، فهي اعتداءٌ على ضحاياها وعلى معنى الأردن نفسه. الأردن الذي جعل من المواطنة رابطةً تجمع أبناءه، ومن العيش المشترك جزءًا من هويته الوطنية، ومن كرامة الإنسان خطًا لا يجوز للإرهاب تجاوزه.
الإرهاب يخاف من مجتمعٍ ينتصر فيه الانتماء للوطن على الكراهية، ومن شعبٍ لا يستطيع القتلة أن يقسموه مهما سفكوا من دماء.
وللأردنيين أقول: أنتم لستم شعبًا تصنعه المحن، بل شعبٌ تكشف المحن أصالته. في تاريخكم من الشجاعة والكرامة ما يجعل الرهان على انكساركم رهانًا خاسرًا، وفي وحدتكم من القوة ما يجعل الفتنة أصغر من أن تكون قدرًا.
أنتم أبناء وطنٍ لم يكن يومًا هامشًا في تاريخ المنطقة، ولا رقمًا زائدًا في معادلاتها. الأردن دولةٌ صنعت مكانتها بصلابة شعبها، ووعي قيادتها، وقدرة مؤسساتها على حماية الاستقرار وسط إقليمٍ تتنازعه العواصف. وشعبه لا ينتظر شهادةً من أحد كي يعرف قدره، فقد كتب مكانته بصبره وشجاعته ووفائه لوطنه.
والشعب الأردني الأصيل رمزٌ للشجاعة والكرامة. شعبٌ يحترمه الفلسطينيون ويقدّرونه عاليًا، لا بحكم الجوار وحده، بل بما يجمع الشعبين من تاريخٍ وتضحياتٍ ووفاء.
يا أبناء الأردن، لا تسمحوا للقتلة بأن يختاروا لكم مَن تكونون. أنتم أرفع من فتنتهم، وأصلب من رصاصهم، وأكبر من أن تمنحوا الإرهاب انتصارًا لم يحققه في الميدان، بأن تسمحوا له بتمزيق ما جمعه الوطن.
إن أبلغ ردٍّ على القتلة أن نحمي وحدة الأردنيين، ونصون كرامة كل مواطن، ونترك للقانون أن يأخذ مجراه، وللعدالة أن تقول كلمتها. فأعظم هزيمةٍ للإرهاب أن يفشل في تغيير أخلاق شعبٍ استهدفه.
وللكرك الحبيبة، لأهلها وجرحاها وعائلات ضحاياها، كل المحبة والرحمة والتضامن. وجعكم وجعنا، ودماء الأبرياء ليست أرقامًا في نشرات الأخبار.
ولجلالة الملك عبدالله الثاني أقول:
يا صاحب الجلالة، حين وقفت أمام الأمم المتحدة، لم تكن تتحدث عن فلسطين بوصفها قضيةً على جدول العالم، بل بوصفها حقًا يسكن ضمير الأمة، وجرحًا لا يملك الزمن أن يمنحه صفة النسيان. وفي صوتك سمعنا ما يشبه صدى أبي عمار. ذلك الصوت الذي كان يحمل فلسطين إلى العالم، ولا ينتظر من العالم إذنًا كي يؤمن بحقها.
امضِ يا جلالة الملك في الدفاع عن فلسطين، فخلفك شعبٌ أردني عظيم، وأمامك قضيةٌ لا تسقط بالتقادم، ومن ورائك قلوب الفلسطينيين الذين يعرفون أن للمواقف رجالًا، وأن للوفاء عنوانًا. وكل فلسطين من خلفك، لا مجاملةً لملك، بل وفاءً لموقفٍ عربي شجاع لم يتخلَّ عن القدس حين اشتد الحصار، ولم يساوم على حق الفلسطينيين حين ضاقت المنابر.
وامضِ صاحب الجلالة في مواجهة الإرهاب، واضرب بيدٍ من حديد، تحت راية القانون وهيبة الدولة. فالأردن الذي لم تنحنِ هامته أمام العواصف لن يسمح للقتلة بأن يعبثوا بأمنه أو يشقّوا صف شعبه.
يا جلالة الملك، قد تُغلق أبواب المنابر في وجه فلسطين، وقد تحاول رصاصات الإرهاب أن تنال من الأردن، لكن الحق لا يُحاصر إلى الأبد، والأوطان التي تسندها شعوبها لا تنكسر.
لك منا التحية، وللأردن الشقيق المحبة والوفاء. فحين يكون الأردن قويًا، تكون فلسطين أقوى، وحين يرفع الأردن صوته للحق، يعرف الفلسطيني أنه ليس وحده في هذه المعركة الطويلة من أجل الحرية والكرامة والدولة.
لقد كتبتُ أنني رأيت في صوت الملك شيئًا من صوت ياسر عرفات. واليوم أضيف أن قيمة المواقف لا تظهر في الكلمات وحدها، بل في القدرة على حمل المسؤولية حين يصبح الدفاع عن الحق مكلفًا، وحين يصبح الحفاظ على الوطن عهدًا لا يحتمل المساومة.
أما الذين يظنون أن النار تخفض هامة الأوطان، فليتأملوا الأردن جيدًا.
قد يجرح الإرهاب جسد الوطن، لكنه لا يملك روحه. وقد يسقط ضحايا، لكنه لا يملك أن يكتب دستور الكراهية في قلوب الأحياء.
فلسطين لا تُمحى، والأردن لا ينحني، وشعبٌ يعرف قدر نفسه لا تمنحه الجريمة هويةً، ولا ترسم له الرصاصة مستقبله.
حين نطق الملك بفلسطين، حضرت قضيةٌ لا تموت. وحين حاول الإرهاب أن يرعب الأردن، اصطدم بشعبٍ لا تُقاس قامته بما يتعرض له، بل بما يرفض أن يتخلى عنه.
هامة الأردن أكبر من النار، وشموخ شعبه أعلى من رصاص القتلة، ووحدته عصيّةٌ على كل من يراهن على انكساره.
بقلم: شادي عيّاد