بعض المسؤولين لا يُغيَّرون… بل يُخلَعون من جذورهم! بقلم: شادي عيّاد
أخطر ما يمكن أن يحدث في مؤسسة عامة أن ينسى المسؤول أنه موظف فيها، ويقتنع بأنها ملكٌ له وأن الناس ضيوف في مكتبه، وأن الدولة مطالبة بتدبير أمورها بما لا يزعج جلسته!
وحيث يُحكى أن رجلًا أراد تركيب مرحاض في بيته، فسأل مهندسًا عن الفرق بين النوع العربي والإفرنجي. "اقصد نوع المرحاض"فشرح له أن أحدهما يُستبدل بفكّ أربعة براغٍ. أماالآخر فيستلزم تكسير الأرض والبلاط وإزالة ما حوله، ثم دفع كلفة الترميم. فسأل الرجل: «وأيهما تنصحني؟» فقال المهندس: «إذا كنت تحب التغيير، فاختر ما يسهل خلعه». فردّ الرجل: «أنا أبحث عن نوع لا يستطيع أحد خلعه!».
كان الرجل يبحث عن مرحاض عادي، لكنه اكتشف بالصدفة وصفةً تصلح لحالة بعض المسؤولين، أولئك الذين لا يكتفون بالجلوس على الكرسي، بل يربطون أرجلهم به، ثم يطلبون من المؤسسة أن تحترم «استقرارهم الوظيفي»!
هؤلاء لا يديرون المؤسسات بقدر ما يديرون عملية منع المؤسسات من الاستغناء عنهم. يحيطون أنفسهم بمن لا ينافسهم، ويُبعدون من يكشف ضعفهم، ويحتكرون القرار حتى تصبح أبسط معاملة بحاجة إلى مباركتهم. ثم يقفون أمام المرآة بفخر، ويقولون: «انظروا كم نحن مهمّون، لا شيء يتحرك في غيابنا!».
يا للعظمة! لقد عطّلوا الحركة، ثم نسبوا لأنفسهم فضل كونهم المحرّك الوحيد!
وإذا سألهم أحد عن الإنجاز، استخرجوا سنوات الخدمة من الأرشيف، ونفضوا عنها الغبار وقدّموها باعتبارها دليلًا قاطعًا على الكفاءة. وبعضهم يتباهى بعقود من «الخبرة»، حتى إذا فتّشت عن حصيلة تلك السنوات، اكتشفت أن بين الخبرة وما خلّفته حرفًا واحدًا فقط! والشاطر يفهم، أما النتائج فتحتاج إلى لجنة. والمساءلة تحتاج إلى توقيت مناسب. والتغيير يحتاج إلى دراسة معمّقة. وحده بقاؤهم لا يحتاج إلى أي دراسة. فهو في نظرهم حقيقة كونية لا يجوز إخضاعها للنقاش!
وإذا ظهر شاب كفؤ، لم يسألوا ماذا يستطيع أن يضيف، بل كم يمكن أن يشكّل من خطر. وإذا برزت شخصية قادرة على تحمّل المسؤولية، بدأت عملية التشكيك في خبرتها، وفي توقيتها وفي نواياها، وربما في أهليتها للحياة السياسية. فالمطلوب ليس بديلًا ناجحًا، المطلوب بديلٌ يعرف حدود نجاحه، وأول هذه الحدود ألّا يقترب من الكرسي!
ثم يخرج المسؤول نفسه ليشكو غياب الكفاءات، في مشهد يستحق جائزة في الكوميديا السوداء: رجلٌ أمضى سنوات في إغلاق الأبواب، ثم يشتكي من قلة الداخلين!
أما حجّة «لا بديل عني»، فهي من أكثر العبارات إهانةً للمؤسسة التي يُفترض أن صاحبها خدمها. لأن المسؤول الذي لا يستطيع إعداد من يخلفه، لا يعلن عن عظمته؛ بل يعترف بأنه احتكر المعرفة، وعطّل انتقال الخبرة، وربما تعمّد إبقاء الجميع في الظل حتى لا يضطر يومًا إلى مغادرة الضوء.
المسؤول الذي يجعل المؤسسة عاجزة عن الاستمرار بعده، لا يترك وراءه إنجازًا، بل يترك وراءه فاتورةً مؤجلة يدفعها الناس من وقتهم وحقوقهم وأعصابهم.
والمضحك المبكي أن بعضهم يتحدث عن سيادة القانون، بينما يتصرف كأن القانون ينتهي عند عتبة مكتبه. يدعو إلى تداول المسؤولية، بشرط ألّا تتداول مسؤوليته. ويطالب بتجديد الدماء، بشرط أن تبقى الدماء الجديدة في الأوردة لا في المواقع، ويتحدث عن المصلحة العامة، ثم يضع مصلحته الشخصية في صدر كل قرار، ويطلب من الجميع ألّا يلاحظوا الفرق!
هذه ليست خبرةً تستحق التقدير، ولا حكمةً تفرض الاحترام. إنها أنانية إدارية ترتدي ربطة عنق، وتستعير لغة المصلحة الوطنية لتغطّي خوفًا شخصيًا من الخروج من المشهد.
ولكي نكون منصفين، ليس كل مسؤول طال بقاؤه فاشلًا، ولا كل تغيير إصلاحًا. لكن المعيار واضح: هل جعلت المؤسسة أقوى، أم جعلت نفسك أقوى منها؟ هل أعددت من يستطيع أن يكمل الطريق، أم أعددت من يتقن تبرير بقائك؟ هل تركت نظامًا يعمل، أم تركت شبكةً من المصالح لا تعمل إلا بإشارتك؟
هنا يظهر الفرق بين من يخدم المنصب ومن يستعبده، وبين من يبني مؤسسةً ومن يبني متراسًا يحتمي خلفه.
أما حكاية المرحاض، فليست المشكلة في النوع العربي أو الإفرنجي، المشكلة في عقليةٍ تريد تثبيت كل شيء بالإسمنت، ثم تطلب من الناس أن يشكروها لأن التغيير أصبح صعبًا. وإذا احتاج تغيير مسؤول إلى تكسير المؤسسة، فالمصيبة لا تبدأ يوم التفكير في تغييره، لقد بدأت يوم سُمح له بأن يجعل المؤسسة قابلةً للكسر كي يبقى هو ثابتًا.
لا يوجد مسؤول أكبر من المؤسسة، ولا منصب أقدس من حق الناس في المساءلة، ولا خبرة تبرّر تحويل الوظيفة العامة إلى ملكية شخصية. ومن يعتقد أن رحيله سيُسقط المكان، فليجرّب المغادرة، قد يكتشف أن المؤسسة تتعافى، وأن الحياة تستمر، وأن كل تلك الهالة التي أحاط بها نفسه لم تكن سوى ظلٍّ طويل صنعه خوف الآخرين من مواجهته.
وأما الذين يصرّون على البقاء حتى يختلطوا بالجدران، فلهم سؤال أخير:
إذا كنتم قد بنيتم المؤسسة فعلًا، فلماذا تخافون أن تغادروها؟
وإذا كانت لا تستطيع الحياة من دونكم، فمن الذي أوصلها إلى هذه الحال؟
ليس كل ما يصعب خلعه ثمينًا، أحيانًا يكون قد أُحيط بالإسمنت لأن أحدًا لم يجرؤ على قول الحقيقة في وجهه.
إلا ….. من تعرفون انه سيقول وقريبا جدا