حين يبحث الفلسطينيون عن الإنجاز لا عن الشعارات
ثمة ما يستحق التوقف عنده طويلاً في نتائج استطلاع الرأي الأخير الذي نشره المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، فبعيداً عن نسب التأييد التي حصلت عليها القوائم والشخصيات المختلفة، تطرح النتائج سؤالاً أعمق يتعلق بما ينتظره الفلسطينيون اليوم من العمل السياسي، وما إذا كانت المعايير التي اعتادوا الحكم من خلالها على الأحزاب والقيادات قد بدأت تتغير.
لسنوات طويلة، احتلت الانتماءات الفصائلية مكانة أساسية في تشكيل المواقف السياسية للفلسطينيين، وكان للتاريخ النضالي والرمزية الوطنية والانتماء التنظيمي حضور كبير في تحديد خيارات الناس، غير أن هذا الرصيد مهما بلغت أهميته، لا يعفي أصحابه من سؤال الحاضر وهو ماذا تحقق على أرض الواقع، وما الذي يمكن تقديمه للمواطن في المرحلة المقبلة؟
لقد مر الفلسطينيون خلال السنوات الماضية بتجارب قاسية، من الانقسام السياسي وتعطل المؤسسات الديمقراطية إلى الأزمات المالية والاقتصادية المتلاحقة، وصولاً إلى الحرب المدمرة في قطاع غزة وما رافقها من خسائر إنسانية ومادية هائلة، وفي ظل هذه الظروف، بات من الطبيعي أن تتزايد الأسئلة حول حصيلة الأداء السياسي وقدرة المؤسسات والقيادات على التعامل مع الاحتياجات الفعلية للمجتمع.
من هنا تكتسب نتائج الاستطلاع أهميتها، فقد اختار 33% من المستطلعين عدم تأييد أي من الخيارات الفصائلية المعروضة، فيما أبدى 56% استعدادهم للتصويت لقائمة مستقلة جديدة تضم شخصيات مهنية واقتصادية ووطنية، وهاتان النسبتان لا تعنيان بالضرورة أن جميع هؤلاء قد حسموا خياراتهم السياسية أو أنهم يرفضون الأحزاب بالمطلق، لكنهما تشيران إلى مساحة واسعة من عدم الارتباط بالخيارات القائمة، وإلى انفتاح على بدائل مختلفة.
وقد يكون من الخطأ قراءة هذه المؤشرات باعتبارها مجرد رغبة في استبدال أسماء بأسماء، أو وجوه قديمة بأخرى جديدة، فالتحدي الذي تطرحه النتائج يتجاوز مسألة الأشخاص إلى طبيعة الأداء السياسي نفسه، وإلى قدرة من يتقدمون لتحمل المسؤولية على تقديم تجارب وبرامج تستحق ثقة المواطنين.
فالمواطن الذي ينتظر راتبه والشاب الذي يبحث عن فرصة عمل والعائلة التي فقدت منزلها في غزة والمزارع الذي يواجه صعوبة في الوصول إلى أرضه، لا تكفيهم الخطب السياسية لتجاوز مشكلاتهم،وهؤلاء يحتاجون إلى مؤسسات تعمل وإدارة قادرة على اتخاذ القرارات وتنفيذها وسياسات يمكن قياس أثرها في حياتهم اليومية.
وهنا يبرز سؤال النماذج العملية والخبرات المهنية والاقتصادية، فهل أصبحت التجربة في تأسيس المشاريع وإدارة المؤسسات وخلق فرص العمل وإيجاد الحلول العملية عاملاً أكثر حضوراً في نظرة الناس إلى الشخصيات التي تتقدم للعمل العام؟
وفي هذا السياق، يلفت حضور اسم بشار المصري في نتائج الاستطلاع الانتباه إلى موقع الشخصيات القادمة من خارج الأطر الحزبية التقليدية، خصوصاً عندما تستند إلى تجربة عملية ممتدة، فالمصري ارتبط اسمه بتأسيس وتطوير مدينة روابي، وقيادة استثمارات في قطاعات متعددة، والعمل على جذب شركات تكنولوجية عالمية وخلق فرص للشباب الفلسطيني، إلى جانب مشاريع في القدس وغزة ومبادرات مجتمعية وإغاثية في غزة
ومن هنا، لا تبدو المسألة مرتبطة بشخصه وحده، بقدر ما تفتح سؤالاً أوسع حول الوزن الذي بات المواطن يمنحه للتجربة والقدرة على الإنجاز، وإلى أي مدى يمكن للخبرة المتراكمة في البناء والاستثمار والإدارة أن تنتقل إلى مساحة العمل العام والسياسي.
ومع ذلك، فإن النجاح في إدارة المشاريع أو المؤسسات الاقتصادية لا يعني تلقائياً النجاح في العمل السياسي، مثلما أن الانتماء الحزبي لا يعني غياب الكفاءة، فلكل مجال متطلباته وتظل القدرة على إدارة الشأن العام مرتبطة بالرؤية السياسية والعمل المؤسسي والمساءلة، إلى جانب الخبرة العملية.
وفي المقابل، لا يجوز اختزال الأحزاب السياسية بتاريخها أو تحميل جميعها مسؤولية واحدة عن الأزمات القائمة، فالتجارب الحزبية الفلسطينية مختلفة وأدوارها متفاوتة والظروف التي عملت فيها شديدة التعقيد، وفي مقدمتها الاحتلال وما يفرضه من قيود، لكن الاعتراف بهذه الظروف لا ينبغي أن يحجب الحاجة إلى مراجعة الأداء وتحمل المسؤولية عن القرارات والخيارات التي ساهمت في تشكيل الواقع الراهن.
ربما تكون إحدى أهم الرسائل التي يمكن استخلاصها من الاستطلاع أن التاريخ وحده لم يعد ضمانة كافية للثقة السياسية، وأن المكانة التنظيمية أو الرمزية الوطنية تحتاج إلى أن تقترن بالقدرة على الاستجابة لمطالب المجتمع وتطلعاته.
كما أن الاستقلال عن الأحزاب لا يشكل بحد ذاته، شهادة نجاح،فالقائمة المستقلة يمكن أن تكون امتداداً لأساليب العمل التقليدية بوجوه مختلفة، مثلما تستطيع الأحزاب القائمة أن تجدد برامجها وقياداتها وأدواتها وتقدم أداءً أكثر فاعلية، والمعيار الأجدى في الحالتين هو ما يقدمه كل طرف ومدى وضوح التزاماته وقدرته على تنفيذها ومحاسبته عليها.
ولعل المدخل الأكثر فائدة لفهم ما يجري في المزاج العام الفلسطيني هو الاهتمام بما يمكن أن يتحقق، لا بما يُعلن فقط، وبنوعية المؤسسات والخدمات والفرص التي يحتاجها المجتمع، لا بمجرد العناوين السياسية التي تتصدر المشهد.
لقد آن الأوان لأن يكون النقاش حول التجارب والنتائج والبرامج وأن تخضع جميع القوى والشخصيات للمعايير نفسها، دون إعفاء أحد بسبب تاريخه أو منحه ثقة مسبقة بسبب استقلاليته أو نجاحه في مجال آخر، فالاستطلاع ليس حكماً نهائياً على مستقبل الأحزاب، ولا شهادة تفوق لأي بديل سياسي، لكنه يطرح أمام الجميع أسئلة يصعب تجاهلها، قلماذا لا يجد هذا العدد من المواطنين نفسه في الخيارات الفصائلية المطروحة؟ وما الذي ينتظره من الخيارات الجديدة؟ وما الذي ينبغي أن يتغير حتى تستعيد السياسة قدرتها على تمثيل احتياجات الناس؟
قد تكون المسألة في جوهرها، أن السؤال الفلسطيني لم يعد مقتصراً على من أنت وإلى أي تنظيم تنتمي؟ وإنما بات يشمل بإلحاح أكبر ماذا فعلت وماذا تستطيع أن تفعل وكيف يمكن للناس أن يحاسبوك على ما تعد به؟