الاحتلال يعتقل مواطنا ويفتش منازل في مدينة الخليل وترقوميا مستوطنون يهاجمون بلدة ترمسعيا اعتقال مواطن من قرية الرشايدة شرق بيت لحم مصرع سيدة إثر انقلاب جرار زراعي عليها في قرية كفر جمال شمال قلقيلية البنك الوطني راعياً ماسياً لمعرض طولكرم الرابع "بنعمرها" دعماً للاقتصاد المحلي والمنتج الوطني تحذير صادم: قد يثور الذكاء الاصطناعي هذا العام ويسيطر وينتشر إلى مجالات غير متوقعة الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته "مقاومة الجدار" تحذر من تصاعد اعتداءات المستوطنين على أبناء شعبنا الاحتلال يعتقل مزارعا شمال سلفيت ومستوطنون يسرقون ثمار الزيتون في ياسوف الشيخ تميم بن حمد: ما جرى في قطاع غزة يعد بلا جدال إبادة جماعية اليمن… قتلى في تعز وغارات على صعدة و216 ألف نازح منذ أغسطس الشرط الإسرائيلي لعودة فلاي دبي: وضع نقاط تفتيش وحراس أمن على أراضي دبي الاقتصاد تتوعد تجار اللحوم المخالفين لخفض الاسعار بدء صرف المخصصات الطارئة للتجمعات المستهدفة في محيط القدس المفتي العام: شراء زيت الزيتون وثماره من المستوطنين حرام شرعا القاهرة: انطلاق أعمال الاجتماع الطارئ للجامعة العربية لبحث توفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني الاحتلال يقتحم دير دبوان شرق رام الله الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح 25 اعتداءً ضد المزارعين وقاطفي الزيتون

رام الله ليست بخير… وفلسطين تختنق بقلم: شادي عيّاد

رام الله ليست بخير… وفلسطين تختنق

 

بقلم: شادي عيّاد

 

لم يكن اقتحام رام الله اليوم مشهدًا عابرًا في يوم فلسطيني مثقل بالأخبار السيئة. حين تدخل قوات الاحتلال مدينة رام الله والبيرة، وتقتحم محيط مجمع فلسطين الطبي، وتداهم مؤسسات فلسطينية، ويُصاب مواطنون بالرصاص ويختنق آخرون بالغاز، فإن المسألة تتجاوز حدود الشارع الذي تدور فيه المواجهة. إنها تمسّ شعور الفلسطيني بالأمان، وما تبقّى لديه من ثقة بأن حياته يمكن أن تستمر بصورة طبيعية. 

 

السؤال الذي يفرض نفسه ليس لماذا اقتُحمت رام الله اليوم فحسب، بل إلى أين يمضي هذا المشهد؟ ولماذا يتسع شعور الفلسطيني بأن كل شيء يضيق عليه في وقت واحد: أرضه، وحركته، ورزقه، وأمنه، وأفقه السياسي؟

 

الاحتلال لا يحتاج إلى إعلان حرب جديدة كي يجعل الحياة حربًا يومية. يكفي أن تبقى المدينة مهددة بالاقتحام، والطريق مرهونة بالحاجز، والبيت عرضة للمداهمة، وأن يستيقظ المواطن كل صباح وهو لا يعرف أي خبر جديد ينتظره. وحين تتراكم هذه الوقائع، لا يعود الضغط حدثًا أمنيًا منفصلًا، بل يصبح مناخًا كاملًا تعيش فيه الناس وتدفع ثمنه من أعصابها وأرزاقها ومستقبل أبنائها.

 

قد يكون من السهل القول إن إسرائيل تريد كسر شوكة السلطة الفلسطينية، وإن اقتحام مراكز المدن ومحيط المؤسسات الرسمية والطبية يبعث برسائل سياسية وأمنية تتجاوز أهداف كل عملية منفردة. لكن الإنصاف يقتضي ألا نجزم بنوايا لا نملك دليلًا قاطعًا عليها. يكفي أن نقرأ الأثر الواضح لهذه الاقتحامات: انتقاص السيادة، وإضعاف الشعور بوجود مرجعية قادرة على حماية الحياة اليومية، وتعميق إحساس الفلسطيني بأنه مكشوف أمام قوة تستطيع الوصول إلى قلب مدينته متى قررت ذلك.

 

وهنا ينبغي أن نكون واضحين: أنا ضد الاشتباك مع جيش الاحتلال، قولا واحدًا، لا خوفًا من المواجهة فقط، ولا قبولًا بالاحتلال، ولا تنازلًا عن حقنا في الحرية. بل لأن الدم الفلسطيني ليس مادة لإثبات المواقف، ولأن البطولة لا تُقاس بعدد الجنازات، ولأننا نعرف أن شعبنا دفع أثمانًا هائلة، وأن أي مواجهة يجب أن تُقرأ في ضوء أهدافها وكلفتها وقدرتنا على حماية الناس ومصالحهم الوطنية. رفض الاشتباك لا يعني قبول الاقتحام، والحرص على حياة الناس لا يعني التنازل عن كرامتهم.

 

لكن هذه القناعة تضعنا أمام سؤال أكثر صعوبة: إذا كنا نرفض الانجرار إلى مواجهة لا نملك ضمانات نتائجها، فكيف نمنع الاحتلال من تحويل تجنب المواجهة إلى مساحة مفتوحة لمزيد من الاقتحامات والضغط والإذلال؟

 

لا يكفي أن نقول للناس اصبروا. ولا يكفي أن نطالبهم بالتعقل فيما تتآكل قدرتهم على الاحتمال. ولا يجوز أن يصبح الحفاظ على الاستقرار مرادفًا لقبول واقع يزداد اختناقًا. فالمواطن الذي يذهب إلى عمله قلقًا على راتبه، ويعود إلى بيته قلقًا على أطفاله، ويتابع أخبار مدينته وهو يخشى أن تتحول شوارعها إلى ساحة اقتحام جديدة، لا يحتاج إلى خطاب يشرح له صعوبة المرحلة بقدر ما يحتاج إلى ما يشعره بأن هناك من يرى ألمه ويتحمل مسؤوليته.

 

والسلطة الفلسطينية، مهما اشتدت القيود المفروضة عليها ومهما كان هامش حركتها محدودًا، مطالبة بأن تحوّل ما تملكه من أدوات سياسية ودبلوماسية وقانونية ومؤسسية إلى فعل ملموس لحماية الناس، وتثبيت حضور المؤسسات، وملاحقة الانتهاكات، وتوفير ما تستطيع من مقومات الصمود. كما أن مسؤوليتها الوطنية تقتضي مراجعة كل ما يمكن مراجعته في أدائها، لأن الثقة لا تُطلب من الناس إلى الأبد، الثقة تُبنى حين يشعرون أن مؤسساتهم قريبة منهم، وأن كرامتهم ليست تفصيلًا مؤجلًا إلى ما بعد انتهاء الأزمة.

 

ولا ينبغي أن نخلط بين حماية السلطة باعتبارها جزءًا من المشروع الوطني الفلسطيني، وبين تحصين أي أداء رسمي من النقد. فالمشروع الوطني أكبر من الأشخاص، والمؤسسات ليست غاية في ذاتها، بل أدوات لخدمة الشعب وصيانة حقوقه وصولًا إلى الحرية والاستقلال. وإضعاف المؤسسات الفلسطينية لا يفتح الطريق تلقائيًا أمام الدولة، كما أن بقاءها لا يعفيها من واجب التطوير والمساءلة والاستجابة لوجع الناس.

 

ما نحتاجه اليوم ليس سباقًا على من يرفع صوته أكثر، ولا مزايدةً على من يملك الاستعداد لدفع الثمن من دماء الآخرين. نحتاج إلى موقف وطني يجمع بين رفض الاحتلال ومقاومة سياساته بالوسائل التي تحفظ شعبنا وحقوقه، وبين حماية المجتمع من الانهيار، وإعادة الاعتبار لوحدة الموقف الفلسطيني، واستعادة الثقة بين المواطن ومؤسساته. نحتاج إلى سياسة تعرف متى تقول لا، وكيف تقولها، وما الذي تفعله بعد ذلك.

 

رام الله ليست بخير، لكن وجعها ليس منفصلًا عن وجع نابلس وجنين وطولكرم والخليل والقدس وغزة وسائر فلسطين. وما حدث اليوم ينبغي ألا يُختزل في صور الآليات العسكرية وهي تجوب الشوارع. فالمشهد الأعمق هو شعب يُطلب منه أن يصمد فيما تضيق أمامه سبل الحياة، وأن يحافظ على أمله فيما تتراجع أمام عينيه أسباب الاطمئنان.

 

لقد تعب الناس، وهذه حقيقة لا يجوز تجميلها. والتعب حين يطول لا يعني أن الناس تخلوا عن وطنهم، بل قد يعني أنهم لم يعودوا قادرين على احتمال المسافة بين ما يُطلب منهم وما يجدونه في واقعهم.

 

لهذا، فإن السؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحًا أمامنا جميعًا ليس مَن انتصر في مشهد اليوم، ولا مَن بدا أقوى في الشارع، بل: كيف نحمي فلسطين من أن تتحول حياتها اليومية إلى سلسلة متواصلة من الخوف والعجز والانتظار؟

 

فالاحتلال يريد أن يبقى حاضرًا في تفاصيل حياتنا، ونحن نريد وطنًا تكون فيه حياة الناس هي القضية الأولى. وبين هذين المعنيين تقع مسؤوليتنا الوطنية كلها.

 

لا نريد دمًا فلسطينيًا جديدًا، ولا نريد اقتحامًا يصبح عاديًا، ولا نريد سلطة تُترك وحدها أمام عجزها، ولا شعبًا يُترك وحده أمام ألمه. نريد طريقًا يحمي الإنسان، ويحفظ المشروع الوطني، ويجعل إنهاء الاحتلال هدفًا سياسيًا لا يُستبدل بإدارة الاختناق إلى ما لا نهاية.

 

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لفلسطين ليس أن يقتحم الاحتلال مدينة، بل أن يصبح الاقتحام مألوفًا، والوجع خبرًا عابرًا، والصبر واجبًا بلا نهاية، فيما يفقد الناس شيئًا فشيئًا إحساسهم بأن الغد يمكن أن يكون مختلفًا.

 

بقلم شادي عياد