رقصة أربكتني … بقلم شادي عياد
رقصة أربكتني …
امس وانا أمارس احدى عاداتي السيئة وهي القراءة، قرأتُ رواية «زوربا اليوناني» وأنا أظن أنني أقرأ حكاية عن رجلٍ غريب اسمه زوربا. رجلٍ يحب الحياة بشراهة، ويعيشها كما لو أن الغد ليس مضمونًا، ولا يملك من الفلسفة أكثر مما يملك من التجربة والندوب.
تروي الرواية حكاية رجلين يذهبان إلى مكانٍ ناءٍ، يحملان حلمًا بمشروعٍ جديد، ويبدآن في بناء شيء يظنان أنه قد يغيّر حياتهما. لكن الحياة كعادتها، لا تلتزم بالحسابات. تتعثر الخطة وتتراكم الخسائر، ويتداعى المشروع شيئًا فشيئًا، حتى يبدو في النهاية أن كل ما بُني قد انهار.
وهنا توقفت.
كنت أنتظر من زوربا أن يغضب، أن يحزن، أن يسأل: لماذا حدث كل هذا؟
لكن زوربا فعل شيئًا آخر.
رقص.
نعم رقص.
في البداية بدت لي الرقصة غريبة. كيف يمكن لرجلٍ يرى حلمه ينهار أمامه أن يرقص؟ وما الذي يمكن أن يعنيه الفرح في لحظة كهذه؟
ثم بدأت أفهم.
زوربا لم يكن يحتفل بالخسارة، ولم يكن يرقص لأن الأمور أصبحت بخير. كان يرقص لأن الأمور لم تعد بخير، ولأنه لم يُرد للخسارة أن تأخذ منه شيئًا آخر.
المشروع انتهى، نعم.
المال ضاع نعم.
والحلم الذي بُني عليه كل شيء لم يكتمل.
لكن بقي زوربا.
وبقيت لديه القدرة على أن يقول للحياة، بطريقته الخاصة: يمكنك أن تأخذي مني ما تشائين، لكنك لن تأخذي قدرتي على العيش.
عندها أغلقتُ الرواية قليلًا، وبقيت أفكر.
هل يمكن أن تكون هذه الرقصة أكبر من زوربا؟
هل يمكن أن يعيش معنا هذا المعنى في مكانٍ آخر، وفي زمنٍ آخر، وعلى أرضٍ عرفت من الخسارات ما يجعل خسارة مشروعٍ واحد تبدو تفصيلًا صغيرًا؟
ومن هنا، وجدتني أفكر في فلسطين.
فلسطين التي لم يسقط منها مشروع واحد فقط، بل سقطت بيوت، وقُرى، ومدن، وأجيال من الأحلام. فلسطين التي عرف أهلها النكبة والتهجير والحروب والاحتلال والموت والأسر، وعاشوا طويلًا أمام خرابٍ لا ينتهي.
ومع ذلك…
استمر الصباح.
استمرت الأم في إعداد الخبز.
والفلاح في العودة إلى أرضه.
والطفل في الذهاب إلى مدرسته.
والشاب في البحث عن بيتٍ يبنيه.
والعاشق في كتابة رسالة.
والشيخ في الاحتفاظ بمفتاحٍ صدئ، كأنه يحتفظ ببابٍ لم يُغلق بعد.
وهنا فهمت لماذا لم تفارقني رقصة زوربا.
لأن الفلسطيني، هو الآخر، عرف كيف يقف أمام الخراب، ثم يفعل ما يبدو للوهلة الأولى مستحيلًا:
يواصل الحياة.
لم تكن المسألة يومًا أن الفلسطيني لم يتألم. على العكس، ربما لا توجد ذاكرة شعبٍ مثقلة بهذا القدر من الفقد. لكن الحكاية الأعمق ليست في عدد المرات التي سقط فيها، بل في عدد المرات التي نهض فيها دون أن يسمح للسقوط بأن يصبح تعريفه الوحيد.
زوربا رقص أمام أنقاض مشروع.
أما الفلسطيني، فكثيرًا ما اضطر إلى أن يواصل حياته أمام أنقاض عمرٍ كامل.
وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة:
كيف استطاع شعبٌ أن يحمل كل هذا الخراب، ثم يحتفظ رغم ذلك، برغبته في الحياة؟
ربما هذه هي الرقصة الفلسطينية التي لم تُكتب في رواية، ولم يتعلمها أحد من كتاب.
رقصة أمٍّ تفقد ابنها ثم تستيقظ في الصباح لتعدّ الطعام لبقية أبنائها.
رقصة فلاحٍ يقتلعون شجرته فيزرع غيرها.
رقصة أسيرٍ يخرج من السجن وفي عينيه ما يكفي ليبدأ من جديد.
رقصة طفلٍ يركض في زقاق المخيم، غير عابئ بأن العالم من حوله يعرف جيدًا كيف يكون قاسيًا.
فالرقصة هنا ليست فرحًا.
إنها تمرّد.
تمرّد على أن يكون الخراب هو الكلمة الأخيرة.
وتمرّد على أن يتحول الألم إلى هوية وحيدة.
وتمسّكٌ عنيد بحق الإنسان في أن يبقى إنسانًا، مهما حاولت الحياة أن تنتزع منه ذلك.
وهذا، ربما، هو المعنى الذي أخذته من زوربا إلى فلسطين:
لم يكن يرقص فوق الخراب، كان يرقص كي لا يصبح الخراب داخله.
وهذه ليست رقصة رجلٍ يوناني.
هذه رقصة شعبٍ كامل، قال للحياة بعد كل ما أخذته منه:
أخذتِ ما استطعتِ… لكنني لن أعطيكِ روحي.
فأنا شعب فلسطين الذي لن ينحني
بقلم شادي عياد