الجريمة التي لا تترك جثة … بقلم: شادي عياد
أخطر جريمة قد ترتكبها في حياتك… قد لا تجد لها ضحية في ثلاجة الموتى، ولا جثةً في مسرح الجريمة، ولا اسمًا في سجل المحاكم.
عرفت ذلك متأخرًا جدًا.
احتجت إلى أكثر من ثلاثة عقود لأفهم جملة قالها لي أستاذ قانون فاضل وأنا طالب صغير في كلية الحقوق، ولم أكن أتصور يومها أن هذه الجملة ستبقى تلاحقني طوال العمر.
كان أستاذًا كبير السن، حسن الخَلق والخُلق، محبوبًا من الطلاب والأكاديميين، هادئًا في حضوره، عميقًا في كلامه. وكنت أسمعه مرارًا يقول:
«لا جريمة في العالم سوى القتل… فاحذر يا بني أن تقتل.»
كان زملائي يمرون على عبارته مرورًا عابرًا، أما أنا فكانت تستفزني جدا.
كيف لأستاذ قانون عالي المقام أن يقول إن الجريمة الوحيدة في العالم هي القتل، ونحن ندرس عشرات الجرائم بل اكثر من ذلك بكثير؟
كنت يومها من الطلاب المهتمين بالدراسة، وربما كان فضولي الأكاديمي هو الذي دفعني لأن أقترب منه وأسأله:
أستاذي، ماذا تقصد؟
نظر إليّ بهدوء، وأجابني إجابة لم أفهمها إلا بعد سنوات طويلة:
«لن تفهم المعنى اليوم… عليك أن تعيش كثيرًا لتصل إلى المعنى.»
ثم كررها:
«لا جريمة في العالم سوى القتل… فاحذر يا بني أن تقتل.»
ومضيت.
لكن الجملة لم تمضِ معي.
بقيت في مكان ما من الذاكرة، تنتظر أن تنضج الحياة بما يكفي كي أفهمها.
مرت ثلاثة عقود ونيف. درست القانون أكثر، وتعمقت في الدراسات العليا، وعملت في هذا الحقل سنوات طويلة، ورأيت من الحياة والناس والقضايا ما لم تكن كتب القانون قادرة على أن تعلّمني إياه.
واليوم، أستطيع أن أقول له، حيث هو عند ربه:
رحمك الله يا أستاذي الفاضل… لقد فهمت اخيراً.
لم تكن تتحدث عن القتل الذي نعرفه في كتب العقوبات.
كنت تتحدث عن القتل الذي لا يحمل سكينًا، ولا يترك دمًا، ولا تُقام له جنازة.
فالكذب يقتل الحقيقة.
والسرقة لا تقتل المال وحده، بل تقتل الأمانة واطمئنان الناس إلى بعضهم.
والخيانة تقتل الوفاء.
والغش يقتل الثقة.
والتعصب يقتل الحرية، ويقتل التنوع والاختلاف الذي أراده الله بين البشر.
والخشونة تقتل الاحترام.
والفساد لا ينهب المال فقط، إنه يقتل الشرف والحياء والنزاهة.
ومن هنا بدأت أرى حياتنا الفلسطينية بعين مختلفة.
حين يتخرج شاب من الجامعة بشهادته وتعب سنواته، ثم يكتشف أن الطريق قد يكون أقصر لمن يملك واسطة أو اسمًا أو نفوذًا، فنحن لا نحرمه من فرصة عمل فقط، نحن نقتل في داخله إيمانه بأن الاجتهاد يستحق.
وحين يقف مواطن أمام مؤسسة، فيرى أن بابًا يُفتح سريعًا لمن يعرف أحدًا داخلها، بينما يبقى هو ينتظر لأنه لا يعرف أحدًا للأسف، فنحن لا نؤخر معاملته فقط، نحن نقتل إحساسه بأن القانون للجميع.
وحين تتحول الإشاعة إلى حكم والتشهير إلى عادة، ويُدان الإنسان قبل أن يُسمع منه، فنحن قد نقتل سمعته وطمأنينته وعلاقاته دون أن نلمسه.
وحين يصبح الاختلاف السياسي تخوينًا، والنقد تشهيرًا، والرأي الآخر تهمة، فنحن لا نختلف فقط. نحن نقتل قدرتنا على أن نكون شعبًا واحدًا رغم اختلافنا.
وهذه في رأيي، من أخطر صور القتل التي يمكن أن تصيب مجتمعًا.
ففلسطين لا تحتاج إلى أن يتشابه أبناؤها حتى تتوحد. بل تحتاج إلى أن يعرف أبناؤها كيف يختلفون دون أن يتحول بعضهم إلى أعداء بعض.
نحن شعب يعرف الموت الحقيقي أكثر مما ينبغي.
عرفناه في البيوت والمخيمات والقرى والمدن، وفي السجون والمجازر والاغتيالات والحروب.
ولهذا تحديدًا يجب أن نكون أكثر حساسية تجاه الموت الذي لا نراه.
قد يبقى الإنسان حيًا، لكننا نقتل فيه الأمل.
وقد يبقى الموظف في مكانه، لكننا نقتل فيه الانتماء.
وقد يبقى الشاب بين أهله، لكننا نقتل فيه الثقة بالمستقبل.
وقد يبقى المواطن واقفًا على قدميه، لكننا نقتل فيه الإحساس بالعدالة.
وقد يبقى المختلف معنا فلسطينيًا مثلنا، لكننا نقتل فيه حقه في أن يقول: أنا أرى الأمر بطريقة أخرى.
هذه جرائم لا تظهر في محاضر الشرطة، لكنها تظهر في وجه المجتمع.
ولهذا، كلما عدت إلى جملة أستاذي، اكتشفت أنها لم تكن درسًا في قانون العقوبات، بل كانت وصية للحياة:
أن نحذر من أن نقتل الحقيقة بالكذب، والثقة بالغش، والوفاء بالخيانة، والكرامة بالإهانة، والعدل بالواسطة، والنزاهة بالفساد، والحرية بالتعصب، والأمل باليأس.
وفي فلسطين، التي تخوض كل يوم معركة مع الموت، ربما تكون إحدى مسؤولياتنا الكبرى أن نحرس الأشياء التي لا نراها وهي تموت.
الثقة.
الكرامة.
العدل.
الاختلاف.
الأمل.
الآن فقط فهمت لماذا قال لي أستاذي، بكل ذلك الهدوء:
«احذر يا بني أن تقتل.»
لقد احتجت إلى ثلاثة عقود لأفهم أن الرجل لم يكن يخاف علينا من أن نقتل إنسانًا فقط…
كان يخاف علينا من أن نقتل في الإنسان ما يجعله إنسانًا.