احرسوا الفلسطيني… واتركوا أوهام العظمة ,,بقلم: شادي عياد
هناك شيءٌ ما يحدث في هذه البلاد…
شيءٌ لا يجوز أن نمرّ عليه كأننا لم نره، ولا أن ندفنه تحت عناوين الأخبار ثم نواصل يومنا.
في أيامٍ قليلة، مرّت أمامنا وجوهٌ من الوجع لا تحتملها روح فلسطينية:
الحاجة فاطمة الرجبي رحمها الله تُقتل بعد اختفائها…
وعائلة تبحث عن ابنتها المفقودة وتعدّ الساعات بدل الأيام…
ورجل أمن فلسطيني يُعتدى عليه وهو يؤدي واجبه بطريقة وحشية بعد صدمه بسيارة…
وسطوٌ مسلحٌ وجريمةٌ أخرى تهزّ الناس في الظاهرية، راح ضحيتها رجل مظلوم وبريء …
وما خفي من الحكايات أكثر مما وصل إلى آذاننا.
ولعلّ ما سمعته اليوم من الظاهرية كان آخر ما أشعل هذه الحرقة في القلب، فخرجت هذه الكلمات قبل أن تهدأ نارها.
هذه ليست أخبارًا متفرقة.
هذه صفعة.
صفعة في وجه مجتمعٍ طحنه الاحتلال، وأتعبته الحرب، وأثقلته الفاقة، وأرهقه الانتظار.
ماذا بقي لنا إذا لم يعد الفلسطيني يأمن على دمه من الفلسطيني؟
ماذا بقي من معنى البيت، إذا أصبحت الأم تخاف على ابنها، والأب ينتظر هاتفًا قد يأتيه بخبرٍ أسود، والعائلة تفتح أبوابها على القلق بدل أن تفتحها على الطمأنينة؟
أيها الفلسطينيون… لا تجعلوا هذا الوطن يموت مرتين.
مرةً برصاص الاحتلال وخرابه، ومرةً حين نسمح للجريمة والسلاح المنفلت والبلطجة والفزعة أن تأكل ما تبقى من أمننا الداخلي.
نحن لا نملك رفاهية أن نختلف على حرمة الدم.
ولا نملك رفاهية أن نبرر للمجرم لأنه ابن هذه العائلة أو تلك.
ولا نملك رفاهية أن تصبح القرابة ستارة، والواسطة مخرجًا، والسلاح لغةً، والخوف أسلوب حياة.
المجرم ليس ابن عائلة حين يقتل.
هو ابن جريمته.
والذي يرفع سلاحه على الناس لا يمثل الرجولة ولا العائلة ولا فلسطين.
يمثل نفسه المريضة… وعليه أن يواجه القانون.
وفي وسط هذا المشهد، يجب أن نقول شيئًا لا لبس فيه:
احترموا رجل الأمن الفلسطيني الشريف.
ذلك الذي يقف في الشارع بينما ننام.
ذلك الذي يواجه الخطر بينما نحتضن أبناءنا.
ذلك الذي قد يقف وحده في وجه مسلح، لأنه يعرف أن وراءه وطنًا ومواطنين.
هذا الرجل لا نريد منه بطولةً سينمائية.
نريد منه قانونًا وعدلًا وانضباطًا.
ونريد من الدولة أن تحميه حين يؤدي واجبه، وأن تحاسبه حين يخطئ.
لأن رجل الأمن الشريف ليس خصمًا للمواطن.
إنه حين يؤدي واجبه كما يجب، آخر جدارٍ بين المواطن والفوضى.
لكن هنا تبدأ المفارقة التي تستحق قليلًا من الغضب… وكثيرًا من السخرية.
في الوقت الذي نبحث فيه عن رجل أمن يحمي الناس، ما زال هناك من يعتقد أن قيمته تُقاس بطول الموكب!
سيارة أمامه.
وسيارة خلفه.
وحرس عن اليمين.
وحرس عن الشمال.
وصاحب الموكب يمشي منتفخًا كأن التاريخ كله نزل من سيارته!
يا رجل… إنه موكب، وليس مملكة!
وطبعًا، حتى لا يذهب الكلام إلى غير مراده: هناك مناصب سيادية ومواقع تفرض طبيعتها، ويفرض القانون والواقع، أن تحاط بالحماية اللازمة. فتلك حماية للدولة ومؤسساتها، وليست موضوع هذا الكلام أصلًا.
أما ما نتحدث عنه فهو شيء آخر تمامًا: أن تتحول الحماية من واجبٍ تفرضه الدولة إلى زينةٍ يتباهى بها صاحبها، ومن ضرورةٍ أمنية إلى مسرحٍ لإقناع الناس بأن هناك من هو أهم من الناس.
لا عدد السيارات يجعلك عظيمًا.
ولا كثرة الحراس تمنحك مقامًا فوق الناس.
ولو كانت العظمة تُقاس بعدد الحراس، لكان الحارس أعظم من المحروس!
العظمة ليست أن تُبعد الناس عن طريقك.
العظمة أن تفتح الطريق لهم.
وليست أن يحرسك الناس.
العظمة أن يشعر الناس أنك تحرسهم.
رجل الأمن الذي يقف وحيدًا في آخر الليل ليحمي شارعًا لا يعرف أهله، أكثر قيمةً من موكبٍ كامل يسير ليحرس وهم رجلٍ يظن أن فلسطين تدور حوله.
الأول يحرس الوطن.
والثاني يحرس الصورة.
الأول يحمي الإنسان.
والثاني يحاول حماية الوهم.
ولهذا أقولها من قلبٍ موجوع وغاضب:
كفى.
كفى جريمة.
كفى سلاحًا منفلتًا.
كفى خوفًا.
كفى صمتًا.
وكفى أوهامًا بأن المنصب يجعل الإنسان أكبر من الإنسان.
فلسطين لا تحتمل أن يأكل أبناؤها بعضهم بعضًا.
ولا تحتمل أن يصبح أمن المواطن امتيازًا، وأن تصبح الحراسة زينةً للمنصب بدل أن تكون حمايةً للناس.
نريد قانونًا يصل إلى الجميع.
وأمنًا يحمي الجميع.
ومجتمعًا يقول للمجرم: لن نحميك من القانون.
ودولةً تقول لرجل الأمن الشريف: لن نتركك وحدك.
وفلسطين تقول لكل صاحب موكب طويل:
انزل من وهمك قليلًا… وانظر إلى الناس.
فهناك أمٌّ تريد أن يعود ابنها.
وهناك أبٌ ينتظر ابنته.
وهناك شرطيٌ يقف في الليل كي تنام أنت.
وهناك وطنٌ كامل لا يريد المزيد من العظماء الوهميين.
يريد فقط أن يكون الفلسطيني آمنًا.
فاحرسوا الفلسطيني.
احرسوا دمه.
احرسوا كرامته.
احرسوا رجل الأمن الذي يحرسه.
أما أوهام العظمة…
فاتركوها في المرآة.
ففلسطين أكبر من موكب، وأكرم من منصب، وأغلى من كل مظاهر القوة.
وفي وطنٍ كل قطرة دم فيه قضية…
لا شيء، ولا أحد، أغلى من الإنسان الفلسطيني.