في منطقة رأس العين ببلدة قصرة جنوب نابلس، بدأت حكاية عائلتي عبد السلام وأبو ريدة في أغسطس/آب، من المكان الذي يفترض أن يكون أكثر أمانًا؛ أمام باب البيت.
منذ أيام، كان مستوطنون يتمركزون في محيط ثلاثة منازل فلسطينية، ونصبوا خيمة قربها وأغلقوا الطرق المؤدية إليها، وقطعوا المياه والكهرباء عن العائلات المحاصرة. لم يكن الخروج من المنزل متاحًا، ولا الوصول إليه سهلًا بالنسبة إلى أقاربهم أو الجهات التي تحاول إيصال الاحتياجات الأساسية. وأطلقت عائلتا عبد السلام وأبو ريدة نداءات للتدخل، بعدما قالتا إن الاعتداءات على المنطقة مستمرة منذ أكثر من أربعة أشهر، بالتزامن مع محاولات متكررة لإقامة بؤرة استيطانية فيها.
في أحد تلك المنازل، كان يوسف عبد السلام يعيش مع عائلته تحت الحصار. لم تكن الخيمة التي أقامها المستوطنون أمام البيت مجرد مشهد في الخارج؛ كانت تعني أن العائلة لم تعد تملك حرية الحركة التي اعتادت عليها. انقطعت المياه والكهرباء، وأُغلق الطريق الذي يصل المنزل بالعالم الخارجي، وبالقرب منه، كان منزل قصي أبو ريدة يعيش الحصار ذاته.
ثلاثة منازل بقيت أيامًا تحت ضغط المستوطنين، فيما كانت العائلات تتمسك بالبقاء داخلها. وبحسب رئيس مجلس قروي قصرة عبد العظيم الوادي، تلقى اتصالات من السكان الذين أبلغوه بأن المستوطنين يحاصرون منازلهم، وأن ضباطًا إسرائيليين يطالبونهم بالمغادرة. وكان من بين هؤلاء قصي عبد المنعم أبو ريدة ويوسف عبد السلام، ثم جاء جيش الاحتلال الإسرائيلي.
دخلت قوات الاحتلال إلى قصرة وانتشرت في المنطقة، وزعمت الرواية الإسرائيلية إن العملية تهدف إلى تفكيك بؤرة استيطانية أقيمت في جبل رأس العين. وكان من المفترض، وفق هذا التبرير، أن يعني دخول جيش الاحتلال نهاية وجود المستوطنين وإنهاء الحصار الذي عاشته العائلات، لكن ما حدث على الأرض حمل نتيجة مختلفة.
بدل أن يعود أصحاب المنازل إلى بيوتهم بعد إزالة البؤرة الاستيطانية، بدأت عملية إخلاء جديدة. طلبت قوات الاحتلال من سكان منازل عدة مغادرتها، وسيطرت على عدد منها وحولتها إلى مواقع وثكنات عسكرية. وبحسب رئيس مجلس قروي قصرة، حولت قوات الاحتلال 16 منزلًا في قصرة ومحيطها إلى ثكنات عسكرية.
وفي المنازل الثلاثة التي كانت محاصرة أصلًا من المستوطنين، لم تنتهِ الحكاية بإزالة الخيمة، كان السكان قد رفضوا في البداية مغادرة بيوتهم، قبل التوصل إلى ترتيب يقضي بجمع العائلات الثلاث في منزل واحد، وهو منزل رزق حسن، بدل إخراجها خارج المنطقة، وهكذا تغير شكل الحصار، لكن العائلات بقيت في قلبه.
وفي البداية كان المستوطنون يقفون أمام البيت، ثم جاء جيش الاحتلال إلى المنطقة بحجة إزالة البؤرة، وبدل أن يجد أصحاب المنازل طريقهم إلى بيوتهم، وجدوا أنفسهم مطالبين بالابتعاد عنها، بينما أصبحت منازلهم تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية.
هذه المفارقة هي التي تختصر ما جرى في رأس العين؛ العائلات حوصرت من المستوطنين، وحين وصل جيش الاحتلال بحجة إزالة البؤرة، لم تستعد تلك العائلات منازلها، بل أُجبرت على الابتعاد عنها.
وفي 14 أغسطس/آب، لم يكن وجود المستوطنين قد انتهى كما قد يوحي انتشار جيش الاحتلال؛ فقد أعاد مستوطنون نصب خيمة أمام المنازل الثلاثة التي يحاصرونها، قبل أن تصل قوات الاحتلال وتهدم الخيمة، أي أن الخيمة التي بدأت منها القصة عادت إلى المكان نفسه، حتى بعد دخول جيش الاحتلال.
وبالنسبة إلى يوسف عبد السلام وقصي أبو ريدة، لم يعد الأمر يقتصر على اعتداءات متكررة أو خيمة نُصبت أمام المنزل، بل أصبح البيت نفسه محورًا للصراع: من يملك حق البقاء فيه، ومن يقرر متى يدخله أصحابه ومتى يغادرونه.
وفي الوقت الذي تقول فيه سلطات الاحتلال إن العملية العسكرية تستهدف تفكيك البؤرة الاستيطانية، يرى الفلسطينيون أن ما يجري على الأرض لا يوفر لهم شعورًا بالأمان؛ فالمستوطنون حاصروا المنازل، فيما سيطرت قوات الاحتلال على منازل أخرى، وأُجبرت عائلات على إخلائها، لتجد العائلات نفسها أمام ضغوط متزايدة للتراجع عن أماكن سكنها.
ولم تقتصر تداعيات المواجهة على العائلات الثلاث المحاصرة، إذ أفادت مصادر محلية بأن قوات الاحتلال سيطرت خلال العملية على منازل أخرى في قصرة، وحولتها إلى مواقع عسكرية، بعد إخلاء سكانها منها.
لكن أكثر ما يثقل المشهد هو أن أصحاب البيوت لم يكونوا يبحثون عن مكان جديد، بل كان مطلبهم أبسط من ذلك بكثير، أن يبقوا في بيوتهم.
بيت يوسف الذي حاصرته الخيمة، وبيت قصي الذي أُغلقت الطرق من حوله، لم يتحولا إلى مجرد عنوانين في أخبار أغسطس، فخلف كل باب عائلة لها غرفها وذكرياتها وأشياؤها اليومية، وأطفال اعتادوا أن يكون البيت مكانًا طبيعيًا للحياة والأمان، قبل أن يصبح فجأة منطقة محاصرة.
وفي النهاية، بقي السؤال معلّقًا أمام أصحاب البيوت: إذا كان المستوطنون قد جاءوا أولًا ليأخذوا مكانهم، ثم جاء جيش ليقول إنه سيزيلهم، فلماذا كان الثمن الذي دفعته العائلات هو الخروج من بيوتها.
ذلك هو المشهد الذي تركه أغسطس في رأس العين؛ مستوطنون يحاصرون، وجيش يتدخل، ومنازل تتحول إلى مواقع عسكرية، بينما يقف أصحابها خارجها، ينتظرون أن يصبح البيت مرة أخرى مكانًا يمكنهم دخوله دون خوف.