فلسطين التي تمشي على جمرها… من أين يأتي كل هذا الصمت؟
بقلم شادي عياد
سامحوني…
اليوم لا أملك رفاهية الكلام الناعم.
لأن الواقع لم يعد ناعمًا.
الواقع يصفعنا كل صباح.
نحن أمام مشهدٍ يكاد يكون أكبر من الخيال:
شعبٌ قدّم الشهداء…
وصبر على الاحتلال…
وحمل القضية على كتفيه…
ثم وجد نفسه يقاتل من أجل أشياء كان يفترض أنها بديهية.
يا لهذه المفارقة السوداء!
الفلسطيني الذي لم يخَف من الدبابة…
أصبح يخاف من فاتورة المستشفى.
الفلسطيني الذي وقف أمام السلاح…
أصبح يقف ساعات أمام نافذة البنك يبحث عن ماله.
الفلسطيني الذي تحدى العالم ليعلّم أبناءه…
أصبح يسأل: هل أستطيع دفع قسط الجامعة؟
أي عبثٍ هذا؟
أي زمنٍ هذا الذي يصبح فيه الوصول إلى الحق رحلة عذاب؟
في البنك…
مالٌ موجود لكنه بعيد.
في المستشفى…
مريضٌ حاضر والعلاج غائب.
في الجامعة…
طالبٌ حاضر والمستقبل مؤجل.
في المحكمة…
صاحب حق حاضر والزمن يبتعد.
وفي الشارع…
مواطن حاضر، لكنه يشعر أحيانًا أن صوته غائب.
ثم تأتي الأخبار…
قرية تُهاجم.
المغير تصرخ.
دير جرير تصرخ.
مستوطنون يعتدون.
شهداء يرتقون.
وأهل الأرض يدفعون ثمن جريمة لم يرتكبوها.
ثم نعود إلى حياتنا اليومية…
نعدّ الأزمات كما نعدّ الأيام.
أزمة بعد أزمة.
طابور بعد طابور.
انتظار بعد انتظار.
حتى صار المواطن يحتاج إلى خريطة ليتنقل بين أزمات وطنه.
هل هذا ما يليق بشعبٍ عظيم؟
هل هذه هي المكافأة لمن حملوا فلسطين في قلوبهم؟
لا أحد يطلب المستحيل.
لا أحد يطلب قصورًا.
الناس تريد فقط أن تشعر أن الحياة ليست معركة في كل تفصيل.
أن يدخل الإنسان البنك فلا يشعر أنه غريب عن ماله.
أن يدخل المريض المستشفى فلا يشعر أن مرضه ينتظر معه.
أن يدخل الطالب الجامعة فلا يشعر أن حلمه مربوط بورقة مالية.
أن يدخل المواطن المحكمة وهو مؤمن أن الحق لا يضيع بين الممرات.
نحن لا نحتاج إلى مزيد من التبرير.
نحتاج إلى شجاعة الاعتراف.
لأن أخطر مرض يصيب الأوطان ليس الفقر…
بل الاعتياد.
أن يصبح المشهد المؤلم عاديًا.
أن يصبح خبر الاعتداء على قرية مجرد خبر.
أن يصبح فقدان الأمل عادة.
أن يصبح المواطن خبيرًا في التحمل، لا خبيرًا في الحياة.
يا فلسطين…
هذا الشعب لم يُخلق ليكون رقمًا في طابور.
ولم يدفع كل هذه التضحيات حتى يعيش منتظرًا.
آن الأوان أن يشعر الإنسان الفلسطيني أن كرامته ليست شعارًا يُرفع…
بل واقعًا يُعاش.
لأن الشعب الذي صمد أمام العواصف كلها…
لا يجوز أن يُطلب منه أن يتعلم كيف يعيش تحت الركام.