حين تضيق الأرض… تفتح السماء أبوابها لفلسطين بقلم: شادي عياد
حين تضيق الأرض… تفتح السماء أبوابها لفلسطين
بقلم: شادي عياد
في حياة الأمم لحظاتٌ يظن الناس فيها أن الليل قد طال أكثر مما ينبغي، وأن الغيوم قد حجبت الشمس إلى الأبد، وأن الأبواب جميعها قد أُغلقت.
لكن المؤمنين يعرفون حقيقةً واحدة لا تتغير:
أن الأمل لا يموت ما دام في القلوب يقين، وما دام في السماء ربٌ عادل لا تضيع عنده الحقوق، ولا تنكسر عند بابه الدعوات.
وفلسطين…
هذه الأرض التي باركها الله من فوق سبع سماوات…
لم تكن يومًا قضية أرقامٍ أو موازين قوى فقط، بل كانت دائمًا قصة إيمانٍ وصبرٍ ويقين.
كم مرت عليها المحن؟
وكم تعاقبت عليها الأوجاع؟
وكم ظن أعداؤها أن التعب سيكسر إرادة أهلها؟
لكن فلسطين كانت في كل مرة تنهض من بين الركام أكثر قوةً وإصرارًا وحياة.
اليوم…
لسنا بحاجة إلى مزيد من الانقسام.
لسنا بحاجة إلى مزيد من الخصومات الصغيرة بينما الوطن يحمل على كتفيه جبالًا من الهموم.
فلسطين أكبر من الجميع…
وأغلى من الجميع…
وأبقى من الجميع.
إن هذه المرحلة تحتاج إلى قلوبٍ تقترب من بعضها، لا إلى أيدٍ تدفع بعضها بعيدًا.
تحتاج إلى رص الصفوف، وإلى كلمة سواء، وإلى أن يدرك الجميع أن الوطن لا يحتمل مزيدًا من الفرقة، وأن التاريخ لا يرحم الذين يختلفون بينما السفينة تواجه الأمواج.
ولذلك فإن أعظم ما يمكن أن نقدمه لفلسطين اليوم ليس الكلمات فقط…
بل أن نعيد اكتشاف معنى الأخوة الوطنية ومعنى الشراكة ومعنى أن يكون اختلافنا مصدر قوة لا سببًا للضعف.
فأما أصحاب الفتن، وتجار الانقسام وأصحاب المشاريع الضيقة التي تحاول أن تضع مصالحها الصغيرة فوق مصلحة الوطن الكبير، فلن يترك لهم التاريخ مكانًا مشرّفًا في ذاكرته.
فالأوطان لا تُبنى بالأحقاد…
ولا تُحمى بالشعارات الفارغة…
ولا تنتصر بالمشاريع المشبوهة التي تعيش على تعب الناس وخوفهم وانقسامهم.
أما فلسطين…
فكانت وستبقى أكبر من الحسابات الصغيرة وأكبر من المصالح العابرة وأكبر من كل من حاول يومًا أن يجعلها طريقًا إلى ذاته بدل أن يجعل ذاته طريقًا إليها.
ثم ننظر إلى السماء بثقة المؤمنين الذين جرّبتهم الحياة كثيرًا ولم يفقدوا يقينهم يومًا…
فما خابت فلسطين يومًا وهي تستند إلى الله، ولا انتصرت المحن يومًا على شعبٍ ما زال يؤمن أن بعد العسر يسرًا، وأن في قلب الغيوم دائمًا نافذةً للضوء.
ولعل أكثر ما تحتاجه هذه الأرض اليوم، ليس فقط القرارات والسياسات، بل أن تستعيد القلوب قدرتها على اللقاء وأن يتذكر الجميع أن الوطن يتسع للجميع، وأن الأوطان الكبرى لا يبنيها المنتصرون في خلافاتهم، بل المنتصرون لفلسطين.
ويبقى الإيمان رفيق الفلسطيني في رحلته الطويلة…
إيمانٌ بأن الله لا يترك هذه الأرض المباركة وحدها وأن الليل مهما طال لا يملك في النهاية إلا أن يفسح الطريق للفجر.
نؤمن أن الفجر يأتي دائمًا بعد أشد ساعات الليل ظلمة.
ونؤمن أن الله لا يضيع صبر الصابرين.
ونؤمن أن فلسطين التي صمدت في وجه العواصف لعقود طويلة، قادرة بإذن الله أن تعبر هذه المرحلة أيضًا.
سيأتي يوم تضحك فيه المدن من جديد…
ويعود الأطفال إلى أحلامهم…
ويزرع الناس الأمل بدل الخوف…
ويرفع الفلسطيني رأسه عاليًا كما كان دائمًا.
وسيكتشف الجميع أن ما جمع الفلسطينيين عبر التاريخ كان أكبر بكثير مما فرّقهم، وأن الوطن الذي صمد في وجه العواصف الكبرى يستحق منا أن نحميه من العواصف الصغيرة.
فالوحدة الوطنية ليست شعارًا يُرفع في المناسبات…
بل هي السور الأخير الذي يحمي البيت الفلسطيني، والجسر الذي تعبر عليه الأجيال نحو المستقبل، والوصية التي تركها الشهداء للأحياء.
فلسطين لم تُخلق لتنكسر…
بل خُلقت لتنهض في كل مرة وتعلّم العالم معنى الصبر ومعنى الكرامة ومعنى الإيمان الذي لا يهزم.
وما دام في هذه الأرض من يرفع عينيه إلى السماء بثقة، ومن يمد يده لأخيه لا ليخاصمه بل ليقف معه، ومن يؤمن بأن الوحدة أقوى من الفرقة، وأن المحبة أقوى من الكراهية، وأن الله لا يخذل الصابرين…
فإن الأمل سيبقى أكبر من الألم…
وستبقى فلسطين أقرب إلى الفجر مما يظن الكثيرون.
بقلم شادي عياد