فلسطين… شعب من طينة الأنبياء وصبر الجبال .. بقلم: شادي عياد
فلسطين… شعب من طينة الأنبياء وصبر الجبال
بقلم: شادي عياد
قبل أن تكون فلسطين قضية…
كانت وعدًا.
وقبل أن تكون حدودًا على الخرائط…
كانت صلاةً على شفاه الأنبياء.
هنا…
رفع إبراهيم عليه السلام عينيه إلى السماء.
وهنا مشى المسيح عليه السلام بين الناس ينثر الرحمة على الطرقات.
ومن القدس…
من تلك المدينة التي تشبه آيةً مفتوحة على الزمن…
عرج محمد صلى الله عليه وسلم إلى السماء، وكأن السماء أرادت أن تضع توقيعها الأبدي على هذه الأرض.
لهذا لم تكن فلسطين يومًا أرضًا عادية…
ولم يكن شعبها يومًا شعبًا عاديًا.
في القدس شيء من السماء…
وفي الخليل شيء من صبر إبراهيم…
وفي بيت لحم شيء من ميلاد الأمل…
وفي نابلس شيء من شموخ جبل جرزيم وعيبال…
وفي جنين شيء من عناد السنابل حين ترفض الانحناء…
وفي غزة شيء من كبرياء البحر حين يغضب…
وفي يافا رائحة البرتقال التي تعرف طريقها إلى الذاكرة…
وفي حيفا شموخ الكرمل…
وفي عكا عناد الأسوار…
وفي صفد صفاء الروح…
وفي اللد والرملة وبيسان وأريحا وطولكرم وقلقيلية ورام الله وبئر السبع وجبال الجليل والأغوار…
كانت فلسطين تجمع نفسها كما تجمع الأم أبناءها حول قلبها.
ثم جاءت المخيمات…
بلاطة…
والأمعري…
والدهيشة…
وقلنديا…
وعايدة…
ونور شمس…
وجنين…
فظن العالم أنها مخيمات لجوء…
ولم يفهم أنها كانت مصانع للكرامة…
وجامعات للصبر…
ومعامل لإنتاج الفلسطيني من جديد كل صباح.
هناك…
كان الطفل يحفظ اسم صفورية والطنطورة واللد والمجدل وبيت دجن قبل أن يحفظ جدول الضرب.
وكان المفتاح أكبر من قطعة الحديد التي صنع منها…
لأنه كان اختصارًا لوطن كامل.
وهناك…
وقف الأسرى كحراسٍ للمعنى.
وحمل الجرحى أوطانًا كاملة فوق أكتافهم المتعبة.
وكانت الأمهات الفلسطينيات يخبزن الصبر كما يخبزن الخبز.
وكان الآباء يزرعون الأمل كما يزرعون الزيتون.
أما الشهداء…
فلم يغادروا…
لقد تحولوا إلى أسماء مدارس وشوارع ونجوم وحكايات لا تنتهي.
وهذا الشعب…
هذا الشعب الذي أنجب الحاج أمين الحسيني…
وعز الدين القسام…
وأحمد الشقيري…
وياسر عرفات…
وصلاح خلف…
وخليل الوزير…
وجورج حبش…
ووديع حداد…
ومروان البرغوثي…
وآلاف الرجال والنساء الذين لم تكتب أسماءهم الكتب…
لكن فلسطين كتبت أسماءهم على قلبها.
هذا الشعب ليس تجمعًا سكانيًا…
بل خلاصة آلاف السنين من الحضارات والرسالات والصلوات والدموع والانتصارات والانكسارات التي رفضت أن تتحول إلى استسلام.
في الفلسطيني شيء من صبر أيوب…
وشيء من يقين إبراهيم…
وشيء من حكمة سليمان…
وشيء من رحمة المسيح…
وشيء من ثبات عمر…
وشيء من كبرياء صلاح الدين…
وشيء من عناد الزيتون الذي يعرف أن الشتاء مهما طال لا يملك سلطة على الربيع.
وفي زمن العواصف الكبرى…
تعلم الفلسطينيون أن الأوطان لا تعبر النار بالصوت وحده…
بل بالصبر أيضًا…
وبالحكمة أيضًا…
وبالرجال الذين يصرون على إبقاء البيت الفلسطيني قائمًا مهما اشتدت الرياح…
وببعض الأسماء التي حملت أثقال هذه المرحلة الطويلة، وفي مقدمتها أبو مازن، الذي اختار أن يبقى واقفًا في قلب العاصفة.
لذلك…
نحن لا ننظر إلى النصر كما ينظر الآخرون إلى الأحلام.
نحن ننظر إليه كما ينظر البحر إلى الشاطئ…
وكما ينظر النهر إلى مصبه…
وكما تنظر الشمس إلى الصباح القادم.
قد يتأخر…
لكن أحدًا لا يستطيع منعه من الوصول.
لأن الهزيمة الحقيقية ليست أن تخسر معركة…
بل أن تفقد إيمانك بنفسك.
وفلسطين…
منذ آلاف السنين…
لم تفقد إيمانها بنفسها يومًا.
لقد مرت على هذه الأرض إمبراطوريات حملت سيوفها وتيجانها وجيوشها…
ثم تحولت إلى فصول في كتب التاريخ.
أما فلسطين…
فبقيت.
وبقي شعبها.
وبقي بحرها.
وبقي نهرها.
وبقي زيتونها.
وبقي أذان القدس وأجراس كنائسها.
وبقيت الحكاية.
ولهذا…
فإن النصر بالنسبة لبعض الشعوب احتمال…
أما بالنسبة لفلسطين…
فهو جزء من تركيبتها.
جزء من جغرافيتها.
جزء من سمائها.
جزء من تاريخها.
وجزء من الوعد القديم الذي مر من هنا ذات يوم.
نحن شعب فلسطين…
الشعب الذي جمع النهر والبحر…
والقدس وغزة…
والمخيم والمدينة…
والأسير والجرح…
والشهيد والأم…
والجرس والأذان…
والزيتون والبرتقال…
ثم وقف أمام العالم كله ليقول:
قد يطول الليل…
لكن الفجر لا ينسى مواعيده.
وقد يطول الطريق…
لكن الطرق التي تبدأ بالحق…
تنتهي دائمًا بالنصر.
لأن فلسطين ليست قصة تبحث عن نهاية…
فلسطين هي النهاية التي ينتظرها التاريخ منذ زمن طويل.
بقلم شادي عياد