بين مجدٍ نحكيه… ومستقبلٍ نقتله بقلم:شادي عياد
بين مجدٍ نحكيه… ومستقبلٍ نقتله
بقلم:شادي عياد
نعبد الماضي ونقتل ما سيأتي.
نرفع أمجاداً وندفن كل حي.
نحكي عن الفتح والباب في يدي غيرنا.
نحكي عن العز والذل يسكن بيننا.
نحمل مفاتيح العودة في قلوبنا
لكننا نتعثر دائماً في مفاتيح المستقبل.
نتفق جميعاً على حب فلسطين
ثم نختلف طويلاً على الطريق إليها.
نحفظ أسماء الفاتحين
ولكننا لا نعرف كيف نطعم جائعاً
ولا كيف نوفر عملاً لعاطل
ولا كيف نصنع أملاً لتائه.
نفتخر بعلماء ماتوا
ونطرد عالماً لأنه سأل: لماذا؟
نبني للميت ألف ضريح
ونترك الحي بلا سقف مريح.
نرفع صور الأبطال على الجدران
ثم نحاصر كل بطل يحاول أن يولد بيننا.
نطبع الكتب بأغلى الحروف
ونبخل على الإنسان بأبسط الحقوق.
مدرسة تحفظ ولا تفهم.
وجامعة تخرّج أوراقاً أكثر مما تخرّج عقولاً.
وشهادات تُشترى
وعقول تباع
ومن يسأل كثيراً يصبح متهماً حتى يثبت صمته.
أب يقول لابنه:
لا تحلم كثيراً.
ومعلم يقول لطالبه:
لا تسأل كثيراً.
وموظف يقول لزميله:
لا تتكلم كثيراً.
ثم نسأل جميعاً:
لماذا تأخرنا كثيراً؟
نحكي عن الثورة…
لكننا ننسى أحياناً أن الثورة التي لا تتحول إلى بناء تصبح ذكرى.
نحكي عن الدولة…
لكننا نؤجل كل ما يجعل الدولة ممكنة.
نحكي عن الوحدة…
ثم نمنح الخلاف عمراً أطول من أعمار الأجيال.
الاحتلال يسرق من أعمارنا ما يستطيع،
لكن الخلافات تسرق ما تبقى.
والوقت يمر.
والعالم يتغير.
والأمم تركض.
ونحن ما زلنا نتجادل عند المحطة نفسها.
وبينما يبحث الناس عن نافذة أمل،
ما زال بعض من اعتادوا مواقع القرار
منشغلين بحسابات البقاء أكثر من حسابات الاتجاه
كأن الثبات في المكان غاية
ولو كان المكان نفسه يتآكل من تحت الجميع.
كلما ازداد ثقل الأعباء على الناس،
ازداد خفة الحديث عنهم من فوق المسافة بينهم وبين الواقع.
حتى بدا أحياناً
أن الموقع لم يعد وسيلة لخدمة القضية
بل صارت القضية تُدار أحياناً كوسيلة لحماية الموقع.
وهنا تكمن المأساة…
حين يصبح الحفاظ على المواقع أسهل من صناعة المواقف.
وحين يصبح الخوف على الموقع أكبر من الخوف على المستقبل.
نريد التغيير
شرط ألا يتغير شيء.
ونريد مستقبلاً مختلفاً
بعقول تخاف الاختلاف.
ونريد نهضة
بالأدوات نفسها التي صنعت التعثر.
ونريد نتائج جديدة
بينما نكرر الأسباب القديمة نفسها.
نصفق للحقيقة إذا جاءت من كتاب
ونغضب منها إذا جاءت من إنسان.
نحب البطل بعد موته
ونخاف منه وهو حي.
نبحث عن المنقذ
ثم نحارب كل من يحاول الإنقاذ.
نتحدث عن الشباب باعتبارهم المستقبل
ثم نغلق في وجوههم أبواب الحاضر.
نتغنى بصمود الناس
لكننا ننسى أن الإنسان لا يعيش على الصمود وحده.
فالصمود يحتاج أملاً.
والأمل يحتاج عملاً.
والعمل يحتاج شجاعة.
والشجاعة تبدأ من الاعتراف بالحقيقة.
والحقيقة المرة…
أن شعباً قدم كل هذه التضحيات
يستحق أكثر من هذا الواقع.
ويستحق أكثر من هذا الانتظار.
ويستحق أكثر من الدوران في الحلقة نفسها عاماً بعد عام.
أما الآن…
فكفى.
كفى أن نتصرف وكأن الوقت يقف معنا.
فهو لا يقف.
وكفى أن نتصرف وكأن فلسطين تملك أعماراً إضافية نهدرها متى نشاء.
فهي لا تملك.
وكفى أن نعتقد أن الأوطان تموت بالرصاص وحده.
فكثير من الأوطان ماتت بالتأجيل.
وماتت بالتردد.
وماتت بالعجز عن التغيير.
وماتت لأن أبناءها أحبوا ذكرياتهم أكثر مما أحبوا مستقبلهم.
الحقيقة التي لا نريد أن نسمعها…
أن أخطر ما يهددنا ليس ما يُفرض علينا فقط.
بل ما اعتدنا عليه.
أن نرى الأزمة فلا نفزع.
وأن نرى التعثر فلا نغضب.
وأن نرى الفرص تضيع فلا نتحرك.
وأن نرى المستقبل يبتعد فلا نركض نحوه.
هذه ليست أزمة عابرة.
هذه طريقة بطيئة ومحترفة لخسارة العمر.
وليعلم الجميع…
أن التاريخ لا يطرق الباب مرتين.
ولا يمنح الفرص إلى الأبد.
ولا ينتظر المترددين.
فإما أن نكسر هذا الجمود
ونستعيد شجاعة الفكرة
وشجاعة القرار
وشجاعة التغيير…
وإما أن نستيقظ ذات يوم لنكتشف أن القضية التي ضحى من أجلها الشهداء
وصبر من أجلها الأسرى
وحلم بها الملايين…
أصبحت أكبر من قدرتنا على اللحاق بها.
وعندها لن تكون المأساة أننا خسرنا معركة.
بل أن جيلاً كاملاً سيُتهم أمام التاريخ بأنه ورث قضية عظيمة…
ثم انشغل بالوقوف في مكانه بينما كان الزمن يرحل.
وعندها…
لن يكون التاريخ قاسياً علينا.
بل سيكون عادلاً.
بقلم :شادي عياد