حين قرر البحر أن يغيّر قواعد اللعبة .. بقلم شادي عياد
حين قرر البحر أن يغيّر قواعد اللعبة
بقلم شادي عياد
على شاطئٍ متعب من العواصف…
كان هناك ميناء اسمه فلسطين.
ميناءٌ مرّت عليه من الرياح ما يكفي لإغراق قاراتٍ كاملة.
ومع ذلك بقي واقفًا.
متعبًا أحيانًا.
مجروحًا أحيانًا.
لكنه بقي واقفًا.
وفي قلب الميناء كانت الحياة تسير بطريقتها الغريبة.
بعض الناس كانوا يعدّون الأمواج.
وبعضهم كان يعدّ السفن الغارقة.
وبعضهم كان مشغولًا بعدّ الكراسي أكثر من انشغاله بعدّ النجوم.
وكان هناك من أمضى سنوات طويلة وهو يقنع الجميع أن البحر انتهى.
وأن الرحلة انتهت.
وأن السفن لن تعود.
وأن الأفق أغلق أبوابه إلى الأبد.
لكن فوق أعلى نقطة في الميناء…
فوق منارةٍ قديمة قاومت الملح والريح والزمن…
بقي رجل يراقب الأفق.
لا يراقب الكراسي.
ولا يراقب الضجيج.
ولا يراقب أسواق الإشاعات.
فقط الأفق.
كان يعرف شيئًا لا يعرفه كثيرون.
أن البحار لا تموت.
وأن السفن قد تتأخر…
لكنها لا تضيع إذا بقي الضوء مشتعلًا.
سنوات طويلة مرت.
عواصف.
حصارات.
حروب.
أزمات.
خيبات.
ومع ذلك لم تنطفئ المنارة.
كلما اشتدت الريح ازداد الضوء.
وكلما ارتفعت الأمواج ازداد تمسكًا بالحراسة.
حتى ظن البعض أن الضوء جزء من البحر نفسه.
وفي الأسفل…
كانت هناك فئة أخرى من البشر.
كائنات عجيبة.
لا تنظر إلى البحر.
ولا تنظر إلى الأفق.
ولا تنظر إلى السفن.
كانت تنظر فقط إلى المقاعد.
أحدهم وضع اسمه على الكرسي.
وثانٍ وضع صورةً للكرسي.
وثالث بدأ يتحدث عن الكرسي باعتباره إنجازًا وطنيًا.
أما إحداهن…
فكانت تحمل مفتاح مكتبها كما يحمل الفرسان سيوفهم.
وتتعامل مع درج الملفات كما لو أنه أحد عجائب الدنيا السبع.
وكانت تبتسم كلما تأخر القادمون الجدد.
وتنزعج كلما ظهر وجه جديد أو فكرة جديدة أو شاب جديد.
لأن الضوء الذي يفرح الأحياء…
كان يزعج سكان المخازن القديمة.
لكن البحر…
لا يستأذن أحدًا.
والزمن…
لا يطلب موافقة أحد.
وفي صباحٍ مختلف…
بدأ شيء يتغير.
في البداية لم ينتبه أحد.
ثم ظهرت سفينة.
ثم أخرى.
ثم أخرى.
ثم بدأت الممرات البحرية تمتلئ بالحركة.
وبدأ الضوء ينعكس على الأشرعة القادمة من بعيد.
عندها فقط دبّ القلق في قلوب حرّاس المقاعد.
فالسفن تحمل معها شيئًا يخافونه دائمًا:
التجديد.
والتجديد هو الاسم المهذب للنهاية بالنسبة لمن اعتادوا السكون.
وفي الجهة المقابلة من البحر…
كانت هناك قلعة ضخمة اعتادت أن تنظر إلى الميناء من الأعلى .
قلعة بنت قوتها على فكرة واحدة:
أن البحر لا يغيّر اتجاهه.
وأن الميناء سيبقى متعبًا إلى الأبد.
وأن السفن لن تعود.
وأن الضوء سيتعب قبل أن يتعب الظلام.
لكن القلاع التي تبني يقينها على أخطاء الآخرين…
ترتجف دائمًا عندما ينجح الآخرون في تصحيح تلك الأخطاء.
ولهذا بدا الارتباك واضحًا خلف أسوارها.
خصوصًا أن سكان القلعة اعتادوا الاعتقاد أن الجدران تكفي لصناعة المستقبل.
وأن الخوف يمكن أن يكون برنامج حكم.
وأن التشدد يمكن أن يتحول إلى عقيدة دولة.
لكن التاريخ كان يهمس دائمًا بأن أكثر الحكومات تطرفًا ليست بالضرورة أكثرها عمرًا، وأن الضجيج المرتفع كثيرًا ما يخفي قلقًا أكبر مما يظهر قوة.
فكل سفينة تقترب من الميناء كانت تعني أن حساباتها القديمة تتآكل.
وكل شراع يظهر في الأفق كان يسحب حجرًا من أساس الرواية التي بنت عليها قوتها.
أما الرجل الذي بقي في المنارة…
فلم يكن مشغولًا بالقلعة.
كان مشغولًا بالبحر.
ولعل هذا ما لم يفهمه كثيرون.
فبينما انشغل آخرون بالضجيج اليومي، كان هو يراكم الصبر.
وبينما راهن كثيرون على التعب، كان يراكم الوقت.
وبينما أعلن البعض مرارًا انتهاء الرحلة، كان يواصل حماية الضوء.
وكان بعض أهل الميناء يختلفون حوله أحيانًا، ويوافقونه أحيانًا أخرى، وينتظرونه في أحيان كثيرة.
لكنهم كانوا يعرفون حقيقةً واحدة لم تستطع العواصف محوها:
أن حارس المنارة لم يكن يحرس ضوءًا فقط…
بل كان يحرس آخر شعلةٍ بقيت مشتعلة في وجه الريح.
وأن الرجل الذي عرفته فلسطين باسم أبو مازن، لم يقضِ عمره وهو يفاوض البحر على الهدوء، بل وهو يمنع السفينة الفلسطينية من الاصطدام بصخورٍ كانت كفيلة بتحطيمها عشرات المرات.
ولهذا، حين بدأت السفن تظهر في الأفق من جديد، لم يكن الأمر مفاجئًا لمن عرفوا سرّ المنارة.
فالأضواء التي تصمد طويلًا في وجه العواصف، لا تُهزم…
بل يأتي يومٌ تهتدي فيه السفن إليها.
حتى جاء اليوم الذي بدأت فيه النتائج تتحدث بلغتها الخاصة.
لغة لا تحتاج إلى خطابات طويلة.
ولا إلى شعارات مرتفعة.
لغة اسمها:
الاستمرار حتى يتعب اليأس.
والثبات حتى تتعب العواصف.
والإيمان حتى تتعب الشكوك.
وعندها فقط بدأ كثيرون يدركون أن بعض الانتصارات لا تأتي على صهوة حصان.
بل تأتي متخفية في هيئة صبرٍ طويل.
وأن بعض السياسات لا تُفهم في يوم أو عام.
بل تُفهم عندما ينقشع الغبار ويكتشف الجميع من الذي كان يقرأ البحر فعلًا… ومن الذي كان يراقب الموج فقط.
وبدأ كثيرون يفهمون أن الرجل الذي بقي في المنارة لم يكن يحرس ضوءًا فحسب.
بل كان يحرس فكرة.
ويحرس حقًا.
ويحرس رواية شعبٍ كامل.
وأن سنوات الصبر الطويلة لم تكن سنوات انتظار.
بل سنوات بناءٍ هادئ لا يراه إلا من يعرف كيف يقرأ حركة التاريخ.
أما القلاع التي ظنت نفسها أبدية…
فالتاريخ لم يترك لنا قلعة واحدة نجت من قانون الزمن.
لا إمبراطورية بقيت.
ولا حصن بقي.
ولا حكومة بقيت.
وكل من ظن أن القوة وحدها تكفي للبقاء…
وجد نفسه يومًا مجرد فصلٍ في كتاب التاريخ.
وفجأة امتلأ الميناء بالشباب.
بالعقول.
بالكفاءات.
بالوجوه التي انتظرت طويلًا خلف الأبواب المغلقة.
وبالأفكار التي بقيت سنوات تبحث عن نافذة.
وبالمبادرات التي رفضت أن تموت.
وكأن المنارة نفسها قررت أن تفتح أبوابها لجيل جديد يحمل الحلم نفسه بطاقةٍ أكبر وأفقٍ أوسع.
أما الرجل الذي بقي في المنارة…
فلم يركض نحو الناس.
ولم يطلب التصفيق.
ولم يرفع صوته.
اكتفى بالنظر إلى البحر.
كأنه كان يعرف منذ البداية أن الصبر ليس انتظار المعجزة.
بل صناعة الطريق إليها.
وأن الإيمان الحقيقي ليس أن ترى السفينة ثم تصدّق.
بل أن تصدّق بها قبل أن تظهر.
وفي تلك اللحظة…
فهم الميناء كله سرّ السنوات الطويلة.
فهم لماذا بقي الضوء مشتعلًا.
ولماذا بقيت المنارة واقفة.
ولماذا لم يستسلم البحر.
ولماذا لم تستسلم فلسطين.
لأن الأوطان العظيمة لا تُبنى بالعجلة.
ولا تُحمى بالصراخ.
بل تُبنى برجال يعرفون كيف يصبرون أكثر مما يعرف الآخرون كيف ينتظرون.
وعندما اقتربت السفن أكثر…
لم تسأل المنارة عن أسماء الركاب.
ولم تسألهم من أين جاؤوا.
فتحت لهم الطريق فقط.
كما تفعل المنارات العظيمة دائمًا.
أما أصحاب الكراسي…
فكان عليهم أخيرًا أن يتعلموا درسًا لم يتعلموه طوال سنوات:
أن البحر لا يتوقف من أجل كرسي.
وأن الأفق لا ينحني لمكتب.
وأن فلسطين…
لم تُخلق لتكون مخزنًا للأثاث السياسي.
بل وطنًا يتجدد كلما ظن البعض أنه تعب.
وكلما ظن البعض أن الرحلة انتهت…
كانت تبدأ من جديد.
بقلم شادي عياد