الانطباعية في الاطار السينمائي
الانطباعية في الاطار السينمائي
الباحث: مهند الجعبري
2026
مقدمة
تعتبر المدرسة الانطباعية أول مدرسة حديثة في مجال الفن, نشأت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر, وبدأ ظهورها أولا في الفن التشكيلي, برز فيها عدد من الفنانين مثل مونيه, سيزلي, وبيسارو, وكان لها عدة أهداف أهمها كسر القواعد الكلاسيكية الصارمة في الفن, والتي كانت تنظر له كممثل ثابت للواقع بدون أي تغيير أو تحوير, لتعطي بذلك مساحة أكبر وحرية أوسع للفنان داخل إطار اللوحة, وتمكينه من تجسيد الانطباعات اللحظية دون ان يقتصر العمل على إظهار المشهد بصورته النهائية فقط, وهذا ما أوجد روح جديدة في العمل الفني, وتجربة فريدة ومختلفة حطمت الجمود الكلاسيكي الذي كان يسود على الأعمال الفنية في تلك الفترة, بعد شمولها للفن التشكيلي, اخذت الانطباعية بالتمدد إلى جوانب الفن الأخرى, مثل الموسيقى والمسرح والسينما, لتصبح بذلك ليست مجرد حركة عابرة في الفن التشكيلي, بل نهج كامل يشمل كافة جوانب الفن.
الانطباعية في السينما
يـمكننا تعريف الانطباعية في السينما بأنها تقديم الحدس على الحس, والخيال على الرؤية, والاحساس على الثبات, واعتماد الدلالة بدلا من التفسير, حيث أن اللقطة هنا تلمح فقط ولا تقرر, وبذلك تــترك مساحة واسعة للمشاهد لأن يكون شريكا في العمل, يعيش التجربة بتفاصيلها, أو حتى يخلق تجربة خاصة به, فالفيلم الانطباعي لا يقدم لك الواقع كما هو راضخاً لمبدأ أن السينما هي الفن الوحيد الذي يعبر عن الواقع بالواقع نفسه, بل يقوم بترك الخيار لك لتصنع واقع جديد, يمكننا أن نرى ذلك في عدد من الأفلام الانطباعية, مثل فيلم (Under the skin - 2013 ) حيث أن الفيلم هنا لا يقدم الواقع كقصة مكتملة, بل كمجموعة من الانطباعات الحسية والفراغات الدلالية التي توجب على المشاهد اعادة بناء التجربة بالكامل معتمداً على على مخزون ذاكرته, ومشاعره الخاصة.

تتجسد الانطباعية في العمل السينمائي من خلال توظيف عدة محاور أساسية لدعم هذا الاتجاه, كالسرد, البنية الدرامية, البنية الشكلية, الحوار, الصورة, والموسيقى, فمثلاً على مستوى السرد نرى أن الفيلم الانطباعي لا يعتمد النهج الكلاسيكي أو التسلسل الطبيعي, بل يكون السرد أشبه بالحلم, فتُعرض الاحداث بالتسلسل الذي يقوم عقل الشخصية ببنائه حسب رؤيته لها, وهذا ما يعزز التجربة ذاتها عند المشاهد, مـــع ترك فراغات كبيرة بين الأحداث والتي تجعل المشاهد يستدعي من ذاكرته ما يقوم بملئ تلك الفراغات, نلاحظ ذلك جليا في فيلم ((Inception - 2010 حيث أن السرد هنا لا يسير بخط واحد أو بشكل مستقيم, بل يقوم على مجموعة خطوط سردية متزامنة, ما يمنح المشاهد شعور بالتراكب بين الاحداث, كما أنه لا يشرح كل حدث بشكل لحظي, بل يترك المجال للمشاهد بأن يجيب بنفسه على التساؤلات التي يطرحها كل حدث.

علاقة الفيلم الانطباعي بالمشاهد
تبدأ الانطباعية بتشكل الانطباع داخل وجدان صانع الفيلم, ثم يقوم بنقل هذه الصورة على الشاشة, والمشاهد بدوره يتلقى صور الفيلم ليشكل انطباعا جديدا قد يتشابه او يختلف مع رؤية المخرج, فالانطباع الذي تشكل لدى (اكيرا كروساوا) في فيلمه ((Dreams-1990بانه اعتمد على اللوحات الانطباعية ل)فينسنت فان جوخ( حين قام بنقل انطباعه حول كل لوحة, وقام بابداع لا مثيل له بتشكيل عالم افتراضي مرجعه الاول انطباع فان جوخ, لنستنتج أن العلاقة بين الفيلم الانطباعي والمشاهد تقوم على المشاركة وليس التلقي فقط, فكما أسلفنا سابقاً أن الفيلم الانطباعي لا ينقل أو يصور الأحداث كما هي في الواقع, بل يجعل المشاهد هو من يــقوم بصياغتها وبنائها من خلال اسقاطها على تجربته الخاصة, فمشاهدة الفيلم هنا تصبح قائمة على التأمل والتفاعل, وليس عـــــلى الرؤية المحايدة فـحسب, حيث اللقطات الطويلة والاحداث المفتوحة, مع التركيز على الكثير من التفاصيل التي لا يــــركز عليها المشاهد في الحياة الطبيعية, كل هذه العـــــوامل تعطي للمشاهد المساحة لخلق تجربة شعورية منفردة بذاتها.

مدى نجاح الفيلم الانطباعي في السينما الحديثة
يـمكننا تشبيه مشاهدة الفيلم الانطباعي بقراءة أحد الكتب لجورج أوريل, مثل روايته المشهورة (1984), حيث أنه ليس الكثير من القراء يفهمون ما قام بـكتابته ولكن من يتمكن مــــن الوصول إلى عمق تلك المعاني, وتعبئة الفراغات بنفسه, يصبح مهووسا بكتاباته, وكذلك الفيلم الانطباعي الذي يـبدو للوهلة الأولى صعب المراس, إلا أنه عند تمرين العقل والإحساس على التفاعل معه, ومـــــحاولة محاكاة المشاعر التي تتولد بفعل الغموض والتفاصيل والصوت, يمكن أن تجعل المشاهد يضع الفيلم الانطباعي في المرتبة الأولى على قائمة اهتماماته.
اذا ما قمنا بقياس مدى نجاح الأفلام الانطباعية وفقا للقواعد والمعايير العامة في السينما, سنجد أن الاتجاهات الأخرى تتفوق عليه تبعا لتلك المعايير, ولكننا في هذا النوع من المقارنة نقوم حتما بظلم الاتجاه الانطباعي, فالمقارنة هنا لا يمكن أن تكون لحظية, وهذا هو المبدأ الأساسي للانطباعية, فالفيلم هنا لا يتم انتاجه ليفهم فوراً ويـتم استهلاكه مباشرة فيندثر بعدها وينسى, بل يتم انتاجه ليعيش طـويلا, ويخلق عدد لا نهائي من التجارب, مع تغير الزمان والمكان والثقافة, العوامل التي من شأنها أن تجعل كــل تجربة تحتفظ بتفاصيلها الخاصة, أما في السينما التجارية السائدة, فتتمثل معايير النجاح للفيلم من خلال الانتشار الواسع, قابلية التكرار, الشمولية لأكبر عدد من فئات المشاهدين, تحقيق الأرقام القياسية في أسرع وقت ممكن, على عكس الانطباعية التي لا تركز على حجم الجمهور بقدر التركيز على ارتباط هــــذا الجمهور بالعمل, واسـتمرارية التأثير حتى وان كانت على المدى البعيد.
وبرغم ذلك نرى في الآونة الأخيرة أنّ بعض الافلام الانطباعية أخذت رواجاً وانتشارً كبيرين, مثل فيلم (Platform-2019) الذي عبر عن جشع الانسان حين يكون في طبقة اجتماعية معينة.
يمكننا ملاحظة الافتقار الكبير للانطباعية في عالم صناعة الأفلام, خاصة في العقدين الأخيرين, لم تنعدم الانطباعية تماما, ولكن مقارنة بالاتجاهات الأخرى نجدها الأقل نصيباً من الانتاج الســــينمائي, ويرجع ذلك لعدة أسباب, مثل تفضيل صناعة الأفلام الحديثة للأفلام واضحة الفكرة والمعنى مما يسهل عملية التسويق للفيلم, بالإضافة إلى تفضيل المشاهد نفسه نوعية الأفلام التي تجعله في موقف الحياد دون المشاركة, فلا يحتاج للتفكير أو التأمل.

خاتمة
لا يمكن اعتبار تراجع الروح الانطباعية في الانتاج السينمائي فشلاً, بل هو التحول الطبيعي في أي من اتجاهات الفن, وربما في وقت لاحق يعود الاتجاه الانطباعي بقوة, وربما يـعود بشكل آخر يتناسب والعصر الذي يعود فيه, والتناقض الحالي بين مبادئ الانطباعية واحتياج السوق والمشاهد لا يمكن أن يـقتلها تماما, فلا تزال هناك فئة تفضل هذا الأسلوب وتتبناه, ونرى الكثير من الأمثلة على ذلك خـصوصا على مستوى الأعمال الفردية أو متوسطة الميزانية.
ويجدر بنا التعريج على السينما العربية التي تكاد تخلو من الافلام الانطباعية, و نعزو ذلك إلى أكثر من سبب, مثل ضخامة الانتاج التي تحتاجها السينما الانطباعية والتي لا تهتم بشباك التذاكر بقدر اهتمامها بنشر الافكار التي يحويها الفيلم, كما أن الانتاج الانطباعي يحتاج إلى جرأة في طرح الأفكار والتي تعتبر عقبة في الانتاج السينمائي العربي, بالإضافة إلى أن المشاهد العربي لم يعتد على هذا النوع من الأفلام.
