لجنة الانتخابات المركزية: إجراء الانتخابات المحلية في كامل قطاع غزة أمر صعب الهباش: ما يجري في فلسطين حرب على الأمة كلها التربية تعلن عن منح دراسية في موريتانيا للعام 2025-2026 شرطة الاحتلال تسلّم الباحث المقدسي أحمد الصفدي قرار إبعاده عن الأقصى 6 أشهر إصابات بنيران جيش الاحتلال بمشروع بيت لاهيا شمال غزة سلطة النقد وغرفة تجارة وصناعة غزة تعقدان ورشة حول واقع الخدمات المصرفية في القطاع وزراء متطرفون يضعون حجر الأساس لمستوطنة جديدة شرق بيت ساحور القاهرة: انطلاق أعمال المؤتمر الدولي الـ 36 للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمشاركة فلسطين نتنياهو: لن يكون هناك جنود أتراك أو قطريون داخل قطاع غزة الاحتلال يقيم مستوطنة جديدة بين القدس وبيت لحم بيان صادر عن لجنة الانتخابات المركزية حول الانتخابات المحلية في قطاع غزة الاحتلال يلاحق عمالا شرق بيت لحم النهاية الحزينة كأداة نقد أخلاقي في السينما الإيرانية سلطة الأراضي تُنجز تسوية 21 حوضا وتُصدر 1138 سند تسجيل في عدد من المحافظات مستوطنون يهاجمون خربة المراجم جنوب نابلس الاحتلال يقتحم حي واد عز الدين في جنين وبلدة يعبد جنوبًا قوات الاحتلال تقتحم بيرنبالا شمال غرب القدس الاحتلال يواصل عدوانه على المنطقة الجنوبية في الخليل "الأونروا": مستويات قياسية لانتشار الأمراض في غزة بسبب البرد والحرمان من اللقاحات تهجير قسري لـ20 أسرة من تجمع شلال العوجا البدوي شمال أريحا

النهاية الحزينة كأداة نقد أخلاقي في السينما الإيرانية

قراءة في فيلم المتر بستة ونصف 

تعرف السينما الإيرانية، خصوصاً منذ تسعينيات القرن الماضي، بقدرتها على تحويل السرد السينمائي إلى مساحة مساءلة أخلاقية تتجاوز الحبكة المباشرة، حيث لا تُستخدم النهاية بوصفها لحظة إغلاق مريح للمشاهد، بل كأداة كشف أو صدمة معرفية، أو حتى كتجربة شعورية قاسية تترك المشاهد في حالة قلق أخلاقي مفتوح، كما في فيلم انفصال الحائز على جائزة الأوسكار، الذي انتهى بنهاية مفتوحة حوّلت المتلقي إلى قاضٍ يحكم على الشخصيات، وفي هذا السياق، لا تبدو النهاية الحزينة خياراً جمالياً عابراً، بل جزءاً من تقليد سينمائي يرى في الحزن وسيلة لفهم الواقع أكثر مما يراه تعبيراً عن اليأس.

يأتي فيلم المتر بستة ونصف (2019) للمخرج سعيد روستايي ضمن هذا الامتداد، حيث ينطلق من سرد بوليسي ظاهري يعتمد على مطاردة شبكة واسعة لتجارة المخدرات والاعتقالات الجماعية في أحياء مكتظة، قبل أن يقود المتلقي تدريجياً نحو تفكيك فكرة العدالة ذاتها، لا بوصفها منظومة قانونية فحسب، بل كتصور أخلاقي عن العقاب والإنصاف والمعنى، فالفيلم لا ينتهي بانتصار ولا بهزيمة واضحة، بل بحالة إدراك ثقيل لاستمرارية الأزمة، تتجاوز المصير الفردي للشخصيات إلى نقد بنيوي لمنظومة اجتماعية كاملة، من خلال دفع المشاهد إلى التمرد على الاستجابة العاطفية السطحية، والانخراط في التفكير والإسقاط على الواقع الحقيقي.

يسعى هذا المقال إلى قراءة النهاية الحزينة في المتر بستة ونصف بوصفها أداة نقد أخلاقي لا مجرد نتيجة درامية، وذلك من خلال ربطها بالسياق الثقافي الإيراني المعاصر، وبالبنية السردية التي تقوم على الغموض الأخلاقي، وتعدد الأصوات، وغياب الثنائية الصارمة بين الخير والشر.

العاطفة كسياق ثقافي في المجتمع الإيراني المعاصر:

لفهم ثقل النهاية الحزينة في الفيلم، لا بد من وضعها ضمن سياق ثقافي أوسع، حيث تشير دراسات حديثة في اللسانيات الثقافية والمعرفية إلى تصاعد واضح في تمثيلات الحزن داخل الخطاب الإيراني المعاصر، سواء في اللغة اليومية، أو في الإنتاجات الفنية، أو في وسائل الإعلام، ويبيّن بحث حديث نُشر عام 2024 "الكاتب"أن استعارات الحزن أصبحت أكثر حضوراً من استعارات السعادة، وذلك استناداً إلى تحليل مدوّنة لغوية وثقافية واسعة تضم أفلاماً وروايات وأغانٍ وعناوين صحفية ممتدة على مدى خمسة عقود.

لا يعني هذا أن الثقافة الإيرانية تمجّد الحزن، بل يشير إلى تحوّله إلى أداة تعبير عن الإحباط الجماعي، والضغط الاجتماعي، والشعور بانسداد الأفق, ضمن هذا الإطار، يمكن قراءة النهاية الحزينة في الفيلم بوصفها انعكاسًا لمزاج ثقافي عام، لا مجرّد خيار درامي فردي، حيث يصبح الحزن لغةً أخلاقية للتعبير عن فشل الحلول القائمة، لا عن الاستسلام لها.

الكرنفالية والغموض الأخلاقي:

تقدّم دراسة "Carnivalesque in Iranian Cinema: 6.5 Per Meter, a Social Problem Film" لبهناز حيدري إطاراً تحليلياً مهماً لفهم بنية فيلم المتر بستة ونصف، من خلال توظيف مفهوم الكرنفالية الفلسفية بوصفها آلية سردية تقوم على قلب القيم، وتعدد الأصوات، وكشف تناقضات السلطة بدل تثبيتها، إذ تشير الكرنفالية في هذا السياق إلى حالة سردية يتم فيها تعليق الأحكام الأخلاقية الجاهزة، وتفكيك الأدوار المستقرة بين الجلاد والضحية، والنظام والفوضى، بما يسمح بظهور المعنى بوصفه إشكالاً مفتوحاً لا حقيقة محسومة، في هذا الإطار، لا يُقدَّم النظام القانوني ككيان متماسك أخلاقياً، بل كجزء من المشهد الكرنفالي الذي تتداخل فيه السلطة مع العنف، والعدالة مع الخوف، والعقاب مع الاستعراض.

يتقاطع هذا الطرح مع تصور "ميخائيل باختين" للكرنفال بوصفه فضاءً مؤقتاً لتعليق القيم الثابتة، حيث تُفكَّك الهرميات الأخلاقية بدل تأكيدها، ولا تتحقق هذه الكرنفالية عبر الفرح أو السخرية، بل عبر القسوة الواقعية، حيث يتحوّل السرد البوليسي إلى مساحة انكشاف أخلاقي، لا تمنح المشاهد يقيناً أخلاقياً مريحاً.

العدالة والعقاب: من القانون إلى الخوف:

يتمحور السرد ظاهرياً حول مطاردة تاجر مخدرات كبير، لكن الفيلم سرعان ما يحوّل التركيز من الجريمة إلى آليات مكافحتها، حيث يظهر جهاز الشرطة بوصفه قوة فاعلة لكنها غير مطهّرة أخلاقياً، تُمارس الاعتقالات الجماعية، والإهانات، والعنف الجسدي والنفسي، بوصفها أدوات ضرورية لتحقيق العدالة، غير أن الفيلم لا يقدّم هذه الممارسات كحل، بل يكشف تناقضها الداخلي، وقد أشار Wally Adams في مقاله النقدي إلى أن الفيلم يبدأ وفق توقع سردي مألوف يوحي بانتصار سلطة القانون، وأن قسوة الشرطة قد تبدو في المشاهد الأولى وكأنها تُنتج نتائج سريعة، بحيث يمكن للمشاهد غير المنتبه أن يلتبس عليه الأمر فيظن أن الفيلم يمرّر، ولو ضمنياً، تبريراً للعنف المؤسسي، إلا أننا نرى بأن صانع الفيلم استطاع أن يقدّم تبريرات درامية لهذه الأحداث، جاءت ضمن مسار سردي متسلسل جرى التمهيد له تدريجياً، على عكس ما أشار إليه آدم من كونها تُنتج نتائج سريعة ومباشرة، مع أننا نتفق معه في الصورة الانطباعية العامة التي تتشكّل من مجموع هذه الوقائع، غير أن البناء الدرامي يتقدّم في اتجاه معاكس تماماً، إذ يعمل الفيلم تدريجياً على تقويض هذا التصور، لا عبر خطاب مباشر، بل عبر تراكم مشاهد الإذلال والاكتظاظ والسلوك التعسفي، بما يجعل السلطة نفسها موضع مساءلة أخلاقية، ويحوّل الإنجاز الأمني إلى علامة على منظومة ردع تُعيد إنتاج الخوف واللاجدوى بدل أن تُنتج عدالة قابلة للثقة.

بناء الشخصيات: تفكيك الأبيض والأسود:

من أبرز عناصر القوة في الفيلم طريقة بناء الشخصيات، حيث لا يُقدم الضابط سامد بوصفه بطلاً أخلاقياً، ولا يُختزل ناصر تاجر المخدرات في صورة الشر المطلق،  فالفيلم يعيد توزيع التعاطف الأخلاقي بين الشخصيات، بحيث يصبح من الصعب اتخاذ موقف قيمي حاسم. هذا التفكيك لا يهدف إلى تبرير الجريمة، بل إلى مساءلة المنظومة التي أنتجتها، حيث يبدو الجميع، بدرجات مختلفة، نتاجاً لظروف اجتماعية واقتصادية خانقة، هنا يتجلى البعد الأخلاقي للنهاية العاطفية التي اغرقت بالحزن، إذ لا تُكافئ الخير، ولا تعاقب الشر بشكل مطمئن، بل تكشف هشاشة هذه التصنيفات نفسها.

النقد الاخلاقي للنهاية :

تبلغ البنية السردية ذروتها في الخاتمة، حيث لا يُقدم إعدام ناصر خاكزاد بوصفها لحظة حسم أخلاقي أو إغلاق سردي، بل يُقابَل بسلسلة مشاهد تُفرغ فعل العقاب من أي معنى خلاصي، فبعد قرار مصادرة جميع ممتلكاته، لا يعبّر ناصر عن خوف من الموت بقدر ما يعبّر عن خوفه من إعادة عائلته إلى البيت القديم في الزقاق، أي إلى الظروف نفسها التي صنعت مساره الإجرامي، وعبر التناوب بين مشهد الإعدام وعودة العائلة إلى ذلك الحي الفقير، يؤكد الفيلم أن العدالة العقابية لا تقطع سلسلة العنف، بل تعيد إنتاجها اجتماعياً, وتُختَتم هذه الرؤية بلقطة الشرطي شارد الذهن في سيارته، يوقظه رجل فقير يمسح الزجاج ويطلب المال، في مشهد يلخّص المفارقة الأخلاقية للفيلم: فالجريمة لم يقضَ عليها، والفقر ما زال حاضراً، والعدالة لم تُنتج سوى شعور أعمق باللاجدوى، هنا، تتحول النهاية الحزينة إلى أداة نقد أخلاقي تكشف فشل الردع، لا بوصفه إخفاقاً فردياً، بل كعجز بنيوي يعجز القانون عن معالجته.

في الختام لا تقدّم النهاية الحزينة في المتر بستة ونصف عزاءً، ولا تطلب تعاطفًا بسيطًا، بل تضع المتلقي أمام سؤال أخلاقي مفتوح: ماذا تعني العدالة في سياق اجتماعي يعيد إنتاج أزماته باستمرار؟ من خلال ربط الحزن بالكرنفالية، والغموض الأخلاقي، والسياق الثقافي العام، يكشف الفيلم أن القسوة ليست استثناءً، بل عرضاً لبنية أعمق, وفي هذا الإطار، لا تبدو النهاية الحزينة خياراً جمالياً سوداوياً، بل موقفاً أخلاقياً يرفض الإغلاق المريح، ويصرّ على إبقاء الجرح مفتوحاً بوصفه شرطاً للتفكير، لا للاستسلام، وهنا تحديداً تتجلى قوة السينما الإيرانية، التي تفضّل القلق على الطمأنينة، والسؤال على الإجابة، والحزن بوصفه معرفة.